شاكر حسن: إشكالية الوجود الصوري
يظل لبعض الفنانين والكتّاب طيف في الذاكرة لا ينفك عن ذكرهم أو تذكرهم· في حالة الفنان الراحل شاكر حسن آل سعيد يحضر ذلك الصباح البغدادي الخريفي بشجنه وعذوبته· كنت أصفّ سيارتي في مرآب مكتظ قرب مقر مجلة ''الأقلام'' القديم في شارع الجمهورية شديد الزحام، بينما انتبهت إلى حقيبة شاكر حسن ملقاة على الأرض وهو يدير ظهره للشارع متأملاً تعرية جدار مهترئ ملأت الخطوط البسيطة سطحه· كان مستغرقاً كأنه ينادي روحاً خفية فيه أو كائنات غامضة اختفت داخله·
يتكرر المشهد حين تنزلني الحافلة في موقف العبدلي بعمان لأرى شاكر حسن ذات ظهيرة صائفة يعاين من جوانب مختلفة كشكاً للمرطبات دَهن مُلاكُه واجهته بأصباغ داكنة متنوعة·
لاحقاً سيحاضر شاكر حسن عن كشك عمان وينشر ما كتبه حول العفوية والصدفة الموضوعية·· كلاماً لم يكن يأخذه كثير من زملائه خاصة إلا على سبيل التأفف من تعقد خطابه بينما كان شاكر يغوص في تأملاته متجاوزاً الحروفية والبعد الواحد إلى رسم ما بعد اللوحة أو ما أسماه ''إشكالية وجود اللوحة كحد فاصل بين الذات والعالم من جهة وضرورة الاستغناء عنها بالمرة كحل لتلك الإشكالية من جهة أخرى''· كلمته ''رؤيتي الفنية الراهنة'' كتقديم لمعرض المحيط والبيئة في الفن العراقي (عمان 12-7-1997) ويرى الحل في ''التوصل إلى الرسم على صفحتي الورقة·· ومن ثم مشاهدة الصفحتين وهما متفانيان، واستخدام الضوء والفراغ''·
بهذا كان يتنقل فكر شاكر حسن ليصل إلى ما يصل إليه المتصوفة في حنينهم إلى الفناء والحلول وإلغاء العالم كوسيلة للاتحاد المنشود بالذات المعشوقة، فالحدود بين اللوحة كوجود والعالم ككيان خارجي هي الحدود بين البشري والإلهي لدى المتصوفة· والحل الذي اقترحه شاكر حسن مراراً يتلخص في البحث عما وراء السطح التصويري، لذا تجاوز الحروفية حين صار وجود الحرف في اللوحة كبعد وليس كموضوع ممتثلاً لشخصية الحرف وهويته اللغوية، وهو بالمناسبة ما تعاني منه أغلب التجارب الحروفية الراهنة في التشكيل العربي·
نفتقد في التجارب البصرية المعاصرة البعد الفكري وكأننا نعود إلى إحياء الوظيفة التزيينية للوحة ونصادر مهمتها الفكرية التي تبعث كجزء من شعرية العمل الفني أساساً على استثارة المناطق الجمالية في المتلقي ولا يعني ذلك أن وصفة شاكر حسن وحلوله المقترحة هي البرنامج المعلن الوحيد فتلك حدوسه وتوصلاته ولا يفيد في شيء اجترارها أو تقليدها·
ولكن مواءمة الحسي والبصري كوجودين من عالمين مختلفين يحتم ألا يكون الرسم والتشكيل عموماً مناسبة للتمثيل المفرغ من التأمل في ما يكمن وراء الأشياء· ولعل ذلك بعض ما كان يبحث عنه شاكر حسن على الجدران والزوايا المهملة في الأماكن المأهولة والمهمشة