يسلخ الموت العائلات و القبائل الإماراتية من رداء العزلة ويصهر تفاصيل حياتهم في بوتقة الواقع ولقد أصبح العزاء هو العزاء الوحيد للقاء من فرقتهم الطرق والحياة· و''أهل الشندغة'' معروفون بالمحافل الاجتماعية وأتمنى أن يمنحني الله العمر والوقت لدراسة ظاهرتهم والتي أعتبرها فرصة فريدة ومتميزة لن يكررها التاريخ، فلقد عادت أرواح روادها إلى الرفيق الأعلى تاركين حسرة و ألما في صدورنا وفجوات لن يملاء فراغها حتى رمال البر· وعندما ألتقيت في أحد مجالس العزاء بصديقة الطفولة، لم تبخل عليّ بأن باحت بحنينها إلى الشندغة قائلة ''عائشة، أتابع كتاباتك وأرجو أن تكتبي شيئا عن الشندغيين'' فداعب ذلك ذاكرتي بأن جلب مصطلح ''البلخيريين'' الذي أطلقة الفنان الإماراتي ''الشندغي'' على رواد حفلة أقامها في عمان حضرها ما لايقل عن 250 ألف شخص· الشندغة ضاحية من أقدم ضواحي إمارة دبي التي استقرت بها قبائل شكل تجمعها النواة الأولى لنشئة الإمارة فكانت الفريج و مقر الحكم و الحكومة· ويقول ابن منظور إن ''الشندق'' اسم أعجمي معرب وربما جاء من الفارسية ليعبر عن المجرى المائي أو الفلج الطبيعي الذي قد يشق الأرض وقد يجري تحتها· و ما أثارني لتعقب التسمية وقوف برفيسورة هندية من الجامعة الأميركية لتقول للحضور في أحد المؤتمرات ''علينا بدراسة الأسماء وفهمها، فتسمية ''الغبيبة'' جاء من كلمة غاب أي غياب الماء عن الأرض و نضوبها'' كيف لها أن تتحدث عن بطن الشندغة هكذا؟ فرفعت يدي وانتصبت للرد على معلومتها المغلوطة· أن تسمية الغبيبة تأتي من العربية الخالصة، فيقول ابن منظور إن ''الغبيب: المسيل الصغير الضيق من متن الجبل أو متن الأرض· و ''الغب'' الغامض من الأرض و الضارب من البحر حتى يمعن في البر· وغب و رد يوم وظم آخر فهو بذلك جاء يوماً و ترك يوماً'' لذا جاء العرب بمثل ''زر عباً يزداد حباً''· أما عن أهل الشندغة فهم مجموعة من البشر عاشوا مطبقين لفلسفات مجتمعية عالية المستوى، فساد التعايش السلمي بين الأفراد وتوطد ارتباط الفرد بالمجموعة وكانت طفرة نوعية تلك التي فرضت شراكة الجميع في الهم و الاهتمام· فاصبح لأهل الشندغة هوية تاريخية تختص بهم وتحتضن مخرجات تلك التجربة التي تعكس صفات انفردوا بها و أذابوها في أوعية تحتوي الفكر و الثقافة· وعندما أصبحنا من النازحين عنها منذ عصر النفط كبرت الشندغة في عيوننا وكبرت طفولتنا في أعين أطفالنا· اليوم اتحدى أي ممن سكنها ذات يوم أنه لم يأخذ أطفاله و يذكر لهم حكايات و طرائف تشمل السكيك و الخناخيش وقوارب الهنود الراسية على الخور وثور أبو جسيم· أهل الشندغة كونوا مجتمع تقبل الآخر وكانت بذلك منظومة سابقة لأوانها على جميع الأصعدة، أما اليوم فتجمعهم بيوت الزواج و العزاء و تفرقهم كل يوم ضحالة الحياة وتشردهم مفاهيم اعتنقها الأجداد وفككها الوقت إلى الهباء· aisha.bilkhair@hct.ac.ae