إن الطاقة الهائلة الخارج من خامة الخزف، تجذب الفنان المعاصر لاستخدامها كمنتج فني معاصر، على الرغم أن الفخار استخدم في السابق، في صناعة أدوات قديمة تستخدم لعدة أغراض، منها أواني الشرب والأكل، وأيضا استخدمت لصناعة الأصنام، لكن في الوقت الحالي، لم تستخدم للشراب والطعـام، أو حتى العبادة، بل لتفجير الطاقة الداخلية للفخار. النار هي المصدر الأساسي للطاقة التي يخزنها الطين، يسلك الطين مع النار سلوكا مختلفا، فهو لا يلين كما يحدث للحديد، بل يكتسب صلابة وتماسك بين جزيئات الطين، فيتحول من مادة طرية، سهلة التشكيل إلى مادة صلبة يصعب التحكم بشكلها النهائي، وهنا نجد تشابهاً بين فكر الفنان المعاصر والفخار، عندما يتعرض الفنان لحرارة التطور السريع، يصبح صلبا متراص الخلايا، فإن أردنا إعادة تشكيله ينكسر ويتحطم. يتفاعل كل من الإنسان، النار، الطين والدخان مع بعضهم، لإنتاج الفخار، عبر هذه العناصر المتفاعلة، ينطق الفنان ويسمعنا الأفكار التي ترتاد عقله، حيث يشكل النار فتيل اشتعال، هذا الفتيل عبارة عن ذات الفنان، التي انهكها السهر وسط الأضواء الاصطناعية، هذه الأفكار التي نسمعها من الفنان، عبارة عن مجموعة من التساؤلات، منها كيف استطاع فتيل الاشتعال أن يتحول إلى نار ذات دخان، أي كيف تحولت ذات الفنان من شعلة احتراق إلى نار ذات دخان، وكيف أثر كل من النار والدخان على الطين، وهل المسبب لكل تلك التفاعلات الإنسان أم الوسط المحيط بالإنسان ؟. أحيانا يستخدم الفنان المعاصر، الفخار كجزء من لوحة مفاهيمية أو تكعيبية، وقد يستخدمها بشكل مباشر، دون إدخال خامة أخرى على الفخار، الهدف من عملية إدخال الفخار مع خامة أخرى، من عدم إدخالها، خلق خطاب من لغة مباشرة، يفهما الفنان ويدركها المجتمع، لغة تبحث عن حقيقة الوجود، لغة تمكن الفنان من اكتشاف نفسه والآخرين، لغة تتواصل مع المجتمع وتحقق الاستقرار النفسي، وترسم خريطة سلام مع البيئة. التحديث في استخدام خامة الفخار، ناتج عن التحديث في النظام الاجتماعي والمعرفي والثقافي العربي والعالمي، هذا التحديث أدى إلى أن المنظور حول الأواني الفخارية، أصبح منظوراً مختلفا عن السابق، يحقق بعداً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، أكثر من كونه ذي بعد جمالي فقط، من خلال الفخار المعروض كمنتج فني، يعبر الفنان من الخارج إلى الداخل، ومن الداخل إلى الخارج، بحرية مطلقة، فالمنتج الفني الناتج عن مادة الفخار، يمكن الفنان من عملية العبور والانتقال، دون مخاوف، فإن تصلب الفخار، وأصبح معرضاً للكسر، فتلك عملية تشرح نفسية الفنان وحالة المجتمع، التي تطلب من المشاهد، التعاطي معها، لا غير. science_97@yahoo.com