قصيدتان·· مؤتمران
قد يبدو غريباً أن تكرّس لنوع شعري كقصيدة النثر مؤتمرات تنعقد في العادة لظواهر أو مظاهر أو موضوعات أعم وأشمل، لكن مؤتمر مصر الأخير المتزامن والمتوازي مع مؤتمر شعري تقليدي أو رسمي يدعو للتوقف، لا لأنه الأول من نوعه فقد سبقت بيروت منذ أعوام بمؤتمر عن قصيدة النثر تنادى إليه محبوها وكتابها ودارسوها، وظل مكان جمهورها شاغرا كالعادة، كما حضرنا ندوة خاصة بقصيدة النثر والتلقي أدارها العام الفائت زملاؤنا في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث عانت من الغياب نفسه، ولكن جديد المؤتمر الأخير أنه ينطلق أصلا من روح سجالية انطوت عليها ولادة قصيدة النثر ونموها وتنوعها، ومن موقفي النقدي كدارس ومتابع ودعوتي للمؤتمرين معا أجد الأمر بعد أن هدأت الضجة وانحسر الضجيج جديرا بالتأمل، فالاختلاف ضروري وعلامة صحة في حياتنا الثقافية التي شحب دمها وتكرر خطابها وتجمد· ومثل هذه الرضات الجسدية قد تحرك خلاياها حجيراتها بشرط الاحتكام إلى المعرفة أولا وتأصيل ظاهرة الجدل وفهم الآخر والاختلاف معه بعيدا عن التجهيل والتخوين وإلغاء الآخر كيانا ونصا ومنجزات· وهذا ما أحسب أن المؤتمِرين تغافلوا عنه فانخرطت نداءاتهم بما يشبه الفتوحات الكبرى والتبشير العقائدي· وهو ما وقع فيه شباب قصيدة النثر التي لا أرى مبررا للحماسة الفائقة التي أبدوها بصدد وجودها وصيرورتها بعد أن انحسم الجدل حول كينونتها وحياتها وصارت مؤهلة حتى في رحاب بعض حصون الأكاديميات العتيدة مقبولة وإن بغير ترحاب كبير شأن الضيوف الغرباء والزوار الطارئين! وكان عمليا ما ختم به المؤتمرون في قصيدة النثر القاهرية جلساتهم مطالبين بتدريسها في المقررات المنهجية في المدرسة العربية بشتى مراحلها·
كثير مما قيل قد يبدو رد فعل مواز لفعل سابق وأبداه رأس المشرفين على المؤتمر الرسمي وناقشناه في مناسبات عدة منها عمودنا هذا في ''الاتحاد الثقافي'' وأعني كتاب الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي حول قصيدة النثر الذي يستبق عنوانه مضمونه في الإعلان عن وصف قصيدة النثر بأنها القصيدة الخرساء، مما دعانا للسؤال عن تلقيها الذي يمكن أن يكون أصما ليصم نوعا كاملا ومفرداته النصية ومنجزه بالخرس، ويصادر جماليات القصيدة وكدّ شعرائها وتاريخها وتاريخهم أيضا·
ولو كانت الحيثيات المساقة مقنعة لما أثارت الهياج والاحتجاج لكن السياق المقدم في الكتاب لم يتعد الردود المقتضبة والمناقشات الشخصية ذات الطابع الوظيفي، والاختلافات الذرية حول مواقف وآراء بين أشخاص لا تكفي لتصادر صوت قصيدة النثر ووصفها بأنها لم تنطق بشيء!
ولكن هل يكفي ذلك لردود أفعال سريعة؟ سؤال يجيب عنه المشاركون انفسهم وما سيلي من تطورات نتمنى أن تكون الدراسات والنصوص هي السبيل إليه دون سواها من وسائل النقاش التي باتت عربية بامتياز!