في بياض التقويم
تمتد يداي إلى التقويم لتزيح آخر أوراق العام فيطالعها بياض جدار ينتظر أوراقاً أخرى لعام جديد، على ذلك البياض تخط الذاكرة زفرات تحملها كلمات أثقلتها حصيلة الألم وحصاد الأسى على ما سيأتي من أحزان مخبأة في رحم الزمن·· كلمات ليس إلا، بها نقاوم الموت انتظاراً ونحن نرى الخراب يلتهم أخضر أرواحنا ويابسها: فقدان من نحب وهشيم الوطن وحطام الأمل·· أقرأ منها:
لطفولتي: نحسب ـ حين كنا نسكن جنتك ـ أننا نقتل الوقت الذي، في الحقيقة، تقتلنا عقارب ساعاته وتنهش سعاداتنا المؤجلة دائماً·
لولدي: لقد أوغلتَ في الغياب، غدا تنتهي الحرب، ويعود الموتى إلى قبورهم، والأحياء إلى أسرَّتهم وأُسَرهم، والجرحى إلى جراحهم، وأنت في عتمة المجهول لا وقت لعودتك إلا في القلوب التي سمّرها انتظار مبهم ووعد خاطف، ووهم· حديقة الدار لا ساقي لها بعدك ومكتبتي مهجورة لا يد ترتب فوضاها، وعيناي مطفأة لا ترى قادماً يدق الباب ويسمع لثغة الابن الذي يردد: بابا، ويكبر باحثاً عن حضن· القتلة وحدهم لن يعودوا لمكان ومعهم ظل براءتك يؤرق صحوهم وجحيمهم الذي دخلوه أحياء فكذبت وعود سدنتهم الجهلة بفردوس يدخلونه على أنقاضنا· لا تتأخر فالصبر قليل والألم شاسع كبرّيّة أقطعها بالتعلة والكلمات·
لنفسي: اجعل عطالتك نافعة، الموت لا يضيع وقته في الطريق لزيارتك·
في النفس رغبة عارمة لإيقاف كل شيء، ولكن كل ما تدبره لحياتك صار متأخراً، ولا طريق يؤدي إلى روما(ك) التي تواصل احتراقها بنهم··
كل شيء مؤجل، مسامير تعلق الذاكرة والحاضر من الاذان·
رسالتها تشكو قيد القفص الذي دخلتْه منذ سنين، هل هذه أسرّةٌ أم قبور يدفنَّ فيها حريتهن ويستبدلن بها الخواتم والأغلال؟!
الشر الذي يكتنف الروح يفسد جمال الجسد، فكرة مهربة من جبران الذي أراد روح ماري في جسد أخرى، ناسخ ومنسوخ يتبادلان الدلالة والإشارة والرمز، لكنهما في المعنى يتقابلان كعدوين يتهيأ كل منهما للانقضاض على الآخر·
كانا يبكيان معاً ولكن نهر دموعهما الذي يوحده السرير راح يصب في بحرين مختلفين، كان كلّ على ليلا(ه) يبكي·
بغداد مدوّرة وزمنها دائري ولذا تدور عليها الدوائر·
أيها الشاعر متى تتطهر بالقصيدة وتنسى أنك بشري يتقنع بالأسمال التي يرميها العابر واليومي؟
أهديك تحية الصباح فيزجرني تجهمك فأكلّم نفسي بقصائد لا أكتبها وتضيع في تراب الطريق إلى الجامعة·
أيتها الأحلام، متى تكفّين عن الرغبة في أن تصبحي أوهاماً؟
للسماء التي تظللني من اللهاث: دعيه يسترسل طويلاً، لأشقّ طريقي لوجهك وشفتيك كمن يقطع غابة لنبع ماء·
لغريق لا أعرفه: سلامٌ لموجةٍ تنتظرنا، ولك في راحة الأعماق·· بعيداً·