من أسرار العربية أن فيها كلمات لا يمكن ترجمة معناها الحقيقي الدقيق، فإذا أردنا أن نترجم جملة «اغرورقت عيناه بالدموع» إلى كل لغات العالم فلن نجد وصفاً دقيقاً معبراً عن هذه الحالة، وهي ما قبل البكاء أو بكاء صامت، واغروراق العينين بالدمع وصف ساحر وأخاذ، فكأن العينين تغرقان بالدمع والغرق نوع من الانتهاء أو بلوغ الشيء أقصاه. والغين والراء والقاف في «غرق» أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على انتهاءٍ في شيء يبلغ أقصاه. من ذلك الغَرَق في الماء، كما يقول ابن فارس في مقاييس اللغة، والغَرِقة: أرضٌ تكون في غاية الرِّيّ. واغْرَوْرَقت العينُ والأرض من ذلك أيضاً، كأنها قد غَرِقت في دمعها. وفي «لسان العرب»الغَرَقُ: الرُّسُوب في الماء. ويشبّه الذي ركبه الدَّيْن وغمرَتْه البَلايا، يقال: رجل غَرِق وغَريق، وقد غَرِقَ غَرَقاً وهو غارِقٌ؛ وقيل: الغَرِقُ الراسب في الماء، والغَرِيقُ الميت فيه، وقد أَغْرَقَهُ غيره وغَرَّقه، فهو مُغَرَّقٌ وغَرِيق. وفي الحديث الحَرَقُ والغرق، وفيه: يأْتي على الناس زمان لا ينجو فيه إِلا من دَعَا دُعاء الغَرِقِ؛ وقال الشاعر: أَتْبَعْتُهُمْ مُقْلةً إِنْسانُها غَرِقٌ .......... هل ما أَرى تاركٌ للعَينِ إِنْسانا؟ وفي التنزيل: أَخَرَقْتَها لتُغْرِق أَهلها. والغرِقُ: الذي غلبه الدَّيْن. ورجل غَرِقٌ في الدَّين والبَلْوَى وغَرِيق وقد غَرِقَ فيه، وهو مثل بذلك. والمُغْرَقُ: الذي قد أَغرقه قوم فطردوه وهو هارب عَجْلان. والتَّغْريق: القتل. والغَرَق في الأَصل: دخول الماء في سَمَّيِ الأَنف حتى تمتلئ مَنافذُه فيَهلك، والشَّرَق في الفم حتى يُغَص به لكثرته.؛ قال الأَعشى يعني قيسَ بن مسعود الشيباني: أَطَوْرَيْن في عامٍ غَزَاةً ورِحْلَةً،. أَلا لَيْتَ قَيْساً غَرَّقَتْهُ القَوابِلُ والاسْتِغْراقُ: الاستيعاب. وأَغْرَقَ في الشيء: جاوز الحد وأَصله من نزع السهم. وفي التنزيل: والنَّازِعاتِ غَرْقاً؛ قال الفراء: ذكر أَنها الملائكة وأَن النَّزْعَ نزعُ الأَنفس من صدور الكفار، وهو قولك والنازعات إِغْراقاً كما يُغْرِقُ النازعُ في القوس؛ واغْتِراقُ النَّفَس: استيعابه في الزَّفِير؛ ويقال: فلانة تَغْتَرِقُ نظر الناس أَي تَشْغَلُهم بالنظر إِليها عن النظر إِلى غيرها بحسنها؛ ومنه قول قيس بن الخَطِيم: تَغْترقُ الطَّرْفَ، وهي لاهيةٌ، .......... كأَنما شَفَّ وَجْهَهَا نُزْفُ قوله تغْتَرق الطَّرْف يعني امرأَة تَغْتَرِقُ وتَسْتَغْرِقُ واحدا أَي تستغرِق عُيون الناس بالنظَر إِليها، وهي لاهِية أَي غافلة، كأَنما شَفَّ وجهها نُزْفٌ: معناه أَنها رَقِيقة المَحاسن وكأَن دمها ودم وجهِها نُزِفَ، والمرأَة أَحسن ما تكون غِبَّ نفاسها لأَنه ذهب تهيُّج الدم فصارت رقيقة المَحاسن، والطَّرْف ههنا: النظر لا العين؛ ويقال: طَرَف يَطْرف طَرْفاً إِذا نظر، أَراد أَنها تستميل نظَر النُّظَّار إِليها بحسنها وهي غير مُحتَفِلة ولا عامدة لذلك، ولكنها لاهية، وإِنما يفعل ذلك حسنُها. واغْرَوْرَقَت عيناه بالدُّموع: امتلأتا، ولم تَفِيضا، وفي الحديث: فلما رآهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، احمرَّ وجهه واغْرَوْرَقَت عيناه أَي غَرِقتا بالدموع، وهو افْعَوْعَلَت من الغَرَق.