عندما نتلفظ ما ننوي قوله وقبل أن نُخرج الكلمات إلى مسامع الآخرين نقوم بوزنها على موازين مختلفة، واحد يُفعل و يُعرب وينسقها لغوياً والآخر يعتني بوقع معناها عند التلقي· وعندما تجرنا العبارات إلى مفترق طريق نجد أنفسنا أمام الأمر الواقع الذي طالما حدد الخطوات القادمة وربما المستقبل كله· ونحن عادةً نتمادى متهالكين في بحثنا عن القصد والذي يقدم أدلة قاطعة تحدد مسار المعني وهدف القائل ولكن عندما تتحول الحوارات إلى فنادق لسكن المعاني مؤقتاً نتحول من بشر قادر على التفاهم لغوياً إلى سائقي سيارات الأجرة الذين يعرفون تفاصيل الشوارع والأزقة وعناوين رسمية وأخرى شخصية مقابل أجر يتقاضوه لتبرير تلك المعرفة· لايحسب الفرد أي أهمية لما قبل الكلمة ولكنه يكرس بحثه الدؤوب لما وراءها· إذا كان الأمر كذلك فإنه علينا أن نعي بأنها سباقة وسابقة وان عرقلت سيرها الاستراتيجيات السياسية والامكانات الاجتماعية· من منا لم يجادل عن معاني الكلمات عندما تصاغ في جملٍ لاتفي بالغرض فلا تُفهمنا شيئاً عن دلالاتها الشيئية، وأخُص بذلك تحديداً الاتصال والتواصل الذي يشكل الفرق بين الإنسان والحيوان· فصنف الحيوان كما يقول الجاحظ في ''كتاب الحيوان'' يأتي بين ماشٍ وطائرٍ وسابحٍ و زاحفٍ، ثم ينقسم الحيوان على حسب مقدرته للتواصل والفهم فيسمي الفصيح إنسانا والأعجم هو الحيوان الذي تصدر منه أصوات أطلق عليها الجاحظ مسميات مثل ''ترغو ويثغو وينهق ويصهل ويشمخ ويخور ويبغم ويعوي وينبح ويزقو ويصفر ويهدر ويصوص ويقوق وينعب ويزأر ويكش ويبح''· وعندما أتسع خيالي أغمضت عيني مستمعة إلى أصوات ألفتها الأدغال وأنتقتها الحيوانات حتى المفترسة للإدرك أن في ''بروتكول الغابة'' يكون لكل حيوان من فصيلة معينة حيز لإصدار صوته فتستمع له جميع أفراد فصيلته، حتى الأسد· ويأخذنا ذلك إلى كتاب ''الإنصات: فهم ماوراء الكلمات'' والذي يطرح مفاهيم تخص عملية الأتصال الفعّال بين المتحدث والمستمع فتلقي حيزا كبيرا من المسؤولية على عاتق المستمع الذي تحدد سلوكياته مساندة آراء وأفكار المتحدث وينجم عن ذلك أسلوب تفاهم منسجم تتعانق متراقصة من خلاله الأفعال وردودها بلا خدش حياء· وتحكي لنا ثنايا هذا الكتاب عن فرضية أن في الكلام وحدة تكمن وتترسخ مفاهيم القوة وأن ذلك يؤدي إلى الانصات المنحاز والمعتمد على بلورّة آراء مسبقة تثمن و تقيس مستوى ما نسمعه· نحن بذلك نحمل الكلمات أكثر وأكبر من طاقتها وقد يؤول ذلك إلى إفول معانيها وهجرتها إلى مواقع الملل· أقول، لكي تصل كلماتنا إلى مستمعيها عليها أن تتمرس في القصد والإيحاء وأن تتسكع في مراتع الوعي بالذات قبل أن تجد طريقها إلى قنوات العالم· ويقول المثل الشعبي بلهجتنا ''إذا كان المتحدث مينون يكون المستمع عاجل'' · aisha.bilkhair@hct.ac.ae