العنز المربوطة
أعتبر نفسي عابرة الأجيال الأول عاش فقيراً ومات كذلك والآخر يعيش فقيراً و مقاوماً لذلك وهذا الغنى أو الفقر الذي أعنيه لاعلاقة له بالثراء والبترول أوحتى تلك الطفرة الحضارية التي ''طفرونا من كثر الرمسة عنها'' وانما له علاقة ترتبط ارتباطاً مصيرياً بتلك الهوية التي تهمش ذاتها عند ضحالة الطرح وشح المصارحة وسعي المعنيين الدؤوب و اللامنتهي لاقتناص فرص تجني ثماراً من القرطاس أو منصب يسطر تواقيع الحبر على الورق ويصبو للتسوق في متاجر النخبة ويسكن معززاً موقفه ومواقعه مع الهامور وليس مع العنفوز· لذا سأحكي لكم قصة من حياتي ولنرى ماذا جرى المتحرك غير الثابت وكم كنا كأطفال عاكفين على أن نشعر الآخرين بالنقص عندما نركب السيارة ولانمانع جلوسنا في ''الكريل'' مؤخرة عربات الجيش أو عابرات الصحراء كالجيب و ''النجال''· في الثامنة من عمري كنت محبة للمغامرة والإطلاع، ذات عصر عزم أصحاب القرار ومالكو السيارة أن يذهبوا إلى البر ''ند الشباء'' لقضاء وقت هادىء في الفضاء الرحب وبما أني أحب ''الحلج'' الزواحف الصغيرة الملساء لم أبالي تعذر لبسي للحذاء وجاهزيتي للجري وراء السيارة حتى تنعطف قلوب راكبيها فيوافقوا على أخذي معهم· هذه الخطة ناجحة و مضمونة ومعتمدة ومتعارف عليها في أوساط من دون العاشرة ومن مميزاتها قلة المخاطر، إلا أنها تتطلب مهارات إبداعية وواقعية في سكب دموع غزيرة التدفق والنوح في آن واحد ومقدرة بدنية على الانطلاق بسرعة تنافس السيارة ذات الدفع الرباعي أي من الصفر إلى 40 كيلومترا في الساعة و لمدة خمس دقائق على الأقل· فكنت عزيزة الثقة وذات مساء قالوا آمنة سترافقنا الرحلة وعلينا أن نعرج إلى بيتها فأخذت مكاني في حجر سيدة يفوح منها عبيرالزعفران وعندما وقفت السيارة طلبوا مني أن أذهب لمناداتها وتبليغها: ''العنز الي بتيك أربطيها'' فبلغت آمنة ماورد وطلبت مني الجلوس فقلت لها ''لا مايستوي هم يتريونا خاري'' فقالت ببرود واثق: الدنيا بسعه سيرى القطع بتحصلين شيلة هاتيها'' وعندما عدت من بحثي الطويل لم أر سوى طرف شيلة آمنة وهي مهرولة إلى السيارة التي أنطلقت ولكن هذه المرة بسرعة لايواكبها عدائو الألعاب الاولمبية·
وعندما بلغت الثامنة عشرة لاحظت شجاراً ما في بيتنا الذي قد يعود له الفضل فيماتتحلى به الهواتف الخليوية من وضعيات تناسب الأجواء كالصامت والاجتماع أو الهزاز فالنزاعات في بيتنا شفافة لاتشم أو تسمع بل تلاحظ· وفي سياق الحديث عن ذاك الشجار قال زائر لايعرف قوانين منزلنا ''و الردة على العنز المربوطة'' فتذكرت نفسي وما جمع بين مصير العنز ومصيري وذلك الحبل السيميولوجي الذي يحدد موقع الجاني من الضحية· الآن أنا مقبلة على الخمسين وأرى أن تلك السذاجة والبراءة جزء لايتجزأ من هويتي ونحن في عصر، لاتدهش الأطفال خراريفنا وقصصنا الشعبية التي تتغلب اللغات الآخرى على مضامينها للشرح والتوضيح·
من واقعنا الحالي وفي قرارة نفسي أرى أن العنز قد ربطت نفسها حتى تكون بذلك الفاعل قولاً و المفعول به فعلاً·
aisha.bilkhair@hct.ac.ae