تترامى المأساة بين حدين: النكران والغفران. قلّة يصدقون الوجع التاريخي والماثل لقوم ما زالوا فوق هذه البسيطة. وقلّة أيضا، يقترحون نوعا من التسامح والاعتذار لبلسمة الجراح الغائرة. تلك هي باختصار قضية الموريسكيين، والتي يختصرها باقتدار المغربي حسن أوريد في كتاب جمع فيه السرد الروائي والتوثيق التاريخي، بعنوان “الموريسكي”. والموريسكيون هم الأندلسيون المسلمون الذين تم تعميدهم قسرًا بمقتضى مرسوم ملكي الكاثوليك في 14 فبراير 1502(6 شعبان 907 هـ)، وذلك خلافا لإتفاقية وقعها أبو عبدالله آخر ملوك بني نصر وتنازل بموجبها عن مملكة غرناطة، لقاء حماية رعيته وحفظ دينهم. تقول الاتفاقية: “إنّ للمُرُشْ أن يحتفظوا بدينهم وممتلكاتهم. أن يخضع المرش لمحاكمة قضاتهم حسب أحكام قانونهم وليس عليهم ارتداء علامات تشير لكونهم مرش كما هو حال عباءة اليهود. ليس عليهم دفع ضرائب للملكين المسيحيين تزيد على ما كانوا يدفعونه للمرش. لهم أن يحتفظوا بجميع أسلحتهم ماعدا ذخائر البارود. يحترم كل مسيحي يصبح مر ولا يعامل كمرتد. إن الملكين لن يعينا عاملا إلا من كان يحترم المرش ويعاملهم بحب إن أخلّ في شيء فإنه يغير على الفور ويعاقب. للمرش حق التصرف في تربيتهم وتربية أبنائهم”. لكن ملوك غرناطة الكاثوليك حنثوا بهذه الإتفاقية، فخيروا المسلمين بين التنصّر أو الرحيل. وأعلنت الملكة إيزابيل بمشورة من الكاردينال ثيسنيروس، إنها ستفرض على الراغبين في الرحيل إتاوات وغرامات فادحة، وستطلب منهم التخلي عن أطفالهم الصغار؛ ما أدى بالكثيرين إلى الدخول في الدين المسيحي. هذا الظلم التاريخي سيكون محور كتاب أوريد ليس إنطلاقا من التجريم أو نصب محاكمات بمفعول رجعي، ولكن من خلال محاولة لتأسيس وعي جديد بالمسألة الموريسكية، باعتبار أنها تراث مشترك على جانبي المتوسط. إذ تقول الإحصاءات إن عدد الموريسكيين الذين أقاموا في شمال المغرب (ولهم امتدادات أيضا في الجزائر وتونس وليبيا) يبلغ نحو أربعة ملايين شخص. وهم يتوزعون على قرى يطلون منها على أندلسهم المفقودة في جنوب إسبانيا. اتخذ المؤلف من شخصية أحمد بن قاسم أفوقاي الحجري صاحب كتاب “ناصر الدين على القوم الكافرين” الشخصية الأساسية التي سوف ينسج حولها روايته. وهو لا يحكي سيرة أفوقاي بقدر ما يستقي منها مادته التاريخية. وافوقاي هو من السادة المورسكيين هاجر إلى المغرب، وعمل في بلاط السلطان السعدي أحمد منصور الذهبي، وتولى السفارة إلى العديد البلدان الأوروبية. ويحضر في الرواية أيضا الموريسكي محمد بن عبد الرفيع المتوفي سنة (1652م ـ 1052هـ) صاحب كتاب “الأنوار النبوية في ابناء خير البرية” الذي يشرح فيه واقع المعاناة التي عاشها الموريسكيون وتطبيقهم الخفي للشعائر الإسلامية رغم القهر والتسلط الذي مورس عليهم. يرافق المؤلف أفوقاي في رحلاته الهادفة إلى رفع الظلامة عن أبناء قومه. يجتهد في سبيل قضيتهم بين حكام المغرب، وملوك أوروبا، ما يذكر بتلك الرحلة المثيرة التي خاضها حسن الوزان في الفيافي والمدن والمعتقلات، بعد سقوط الأندلس، والتي حبّرها أمين معلوف في رائعته “ليون الأفريقي”. صحيح إن حسن أوريد يتجنّب في سرديته تلك المسلمات الآيديولوجية في التاريخ باعتبار “أنه يبدأ بالخطأ وينتهي إلى زيف”، ولكن من الذي يستطيع أن ينزع من هذه المحنة المستمرة أصداء تلك “الزفرة”، في ذلك الممر الجبلي، ممر الخروج من الأندلس، والتي يسميها الإسبان el ?ltimo suspiro del Moro، أي “زفرة الموري الأخيرة”. adelk58@hotmail.com