تعتبر ثقافة الإمارات من الثقافات الشفهية والتي تكون مرادفة لمفاهيم التلقائية والشفافية معاً· ففي عقود غابرة كان الاطفال أكثر شقاوة وإبداعا وكنت حينها صغيرة، لكن متأكدة من عبقريتي إلى درجة اني كنت أتجاهل دروس الحساب، وذات يوم أحضرت ''أبلة نعيمة'' سكيناً كبيرة الى الصف وهددتني بها قائلة: ''دي آخر مرة تجيبي الصفحة فاضية وماتحليش الواجب، مفهوم؟'' وجاء رد شكسبير: ''ابلة، انا ما حليت الواجب عشان انا أساعد امي تنظف وتطبخ واخويه عمر مريض'' لمعت السكين فى عيني عندما قالت: ''امشى يابت و انا ح أعرف شغلي معاك بعدين'' وهرولت إلى مقعدي فرحة، لقد أنقذت نفسي من الهلاك المحقق بأعجوبة· إلا انها صارت ترمقني بنظرات مريبة وحاقدة وأنا في لهفة لسماع صوت الجرس حتى تذلف عنا· وما أن غادرت الصف حتى تنفست الصعداء وكان ارتياحٌ مزعج ـ وهنا اتصور شعور مظلومي أبو غريب وجوانتانمو عندما يتعب مسببي العذاب من فعلتهم ـ وبعد الفسحة جاءت حصة العربي فجلست بكل ثقة، فهذه المدرسة مغفية وساعتها شاربة ماء فإذا بسمية (اختي) تدق باب الصف وتطلب من المدرسة إذنا لخروجي تلبية لاستدعاء مدرسة الحساب· فقالت صاحبة الساعة الضبابية: ''امشي يابت شوفي أبلة نعيمة عايزة منك ايه''· سقط قلبي من مخبأ الضلوع وارتجفت الا أني تماسكت ومضيت بثقة متسائلة: ''شو تبى بعد هاي الحينة؟'' ردت سمية: ياويلك!! وعندما وقفت أمام مارد مصباح علاء الدين قالت: ''بت يا مأصوفة الرأبة إنتي بتكزبي علية'' جاء تساؤلي:'' ليش أبلة؟'' قالت الخالية من التعبير: ''سألت اختك وآلت لي إنك مابتعمليش حاجة في البيت'' فما كان مني الا أن قلت في صدري ''يالهوي، رحت ف داهيه'' ومازلت سجينة أفكاري ومتمادية الخيال في تصور شطارتها وإبداعها في استخدام السلاح الأبيض حتى سمعتها: ''امشي يابت غوري على صفك'' أدركت حينها أن الله كريم ورحمته واسعة فرمقت اختي بنظرة كليوبترا عندما لسعتها سموم الأفاعي وقلت لها: ''بر بر جدام'' أي صبراً جميلاً والله المستعان· وقدر الله أن تحضر امي للمدرسة فتباهيت ونفشت ريشي وما ان تم اللقاء وبعد تبادل الملاطفات التي لم أرَ لها أي لزوم قالت المعلمة: ''عيشة دايماً سرحانة خفي عليها شغل البيت دي بتيجي المدرسة مش حاله الواجب'' وقفز المثل الشعبي ''رمست عنك الياعده'' الى ذهني، فهو يقال عندما تفترض فصاحة للدبش من البشر وعندما لا يروق لنا حديث المتحدث معنى ومضموناً· وفي لحظة انقلبت موازين العالم وكل قوانينه الفيزيوكيميائية حين ردت والدتي: اضربيها ولا تخلين منها شئ الا عيونها· وتطاير الشر والشرر من عين أبلة نعيمة وهي تكاد تقول: فالك طيب ما طلبتي الساع· كل ذلك في الماضي الذي أحترم تفاصيله التي حفزتني للحصول على شهادة في الهندسة الالكترونية وامتهنت تدريس الجبر والاحصاء واللوغريتم· وطلبت من أمي تعليلا لماذا عذاب الجسد وبقاء العيون فكان ردها ''العلم والبصر نعمة ونور حتى عندما يفنى الجسد''· aisha.bilkhan@hct.ac.ae