الحمار وصاحبه!
مسكين هذا الحمار الذي حمّله العرب أكثر مما يحتمل.. لدرجة أن بعضهم عندما يأتي على ذكره عرضا في حديثه فإنه يسبقه بجمل مثل: وانت بكرامة، أو عدم المؤاخذة.. وغيرها من الجمل التي يدرجونها كنوع من طلب المغفرة لأنه سيأتي على ذكر شيء لا يصح ذكره. مسكين هذا الحمار الذي حمّله موروثنا العربي الكثير من قصص التندر والاستخفاف والنعت بالبلادة والغباء. بالتأكيد لن أحوّل الزاوية الى نعي للحمار وما فعلناه فيه، خصوصا أن هناك قوى ترفع منه رمزا فخريا لها كالحزب الديموقراطي الحاكم في اميركا وكلنا يعرف هذا الحزب بالتأكيد، فيما رفعته كتالونيا المقاطعة الاسبانية الجميلة قبلة العالم الرياضي رمزا لها وطبعا وكلنا يعرف نادي البرسا الذي يشجعه ثلاثة ارباع سكان الأرض.. حسنا الحمار هو الرمز في الحالتين السابقتين.
طبعا لن يضير الحمار ما فعلناه به، فيكفيه ما صنعه له الامريكان والإسبان بقوتهم السياسية والكروية. ولكن ما يضيرني في هذا الشأن تلك العبارة التي تريعني كلما قالها لي أحد: (أربط الحمار وين ما بدو صاحبو). تقال الجملة في كل اللهجات العربية مع تغيير بسيط في المفردات. وعادة ما تستخدم عندما يحاول أحدهم أن يقنعك أنك تقوم بأمور لا داعي لها، وأن عليك اتباع تعليمات رئيسك في العمل دون أن تحاول علاج ومعالجة، أو حتى تدوين ملاحظة وإبلاغها للمسؤول حول خطأ ما في أمر لست أنت صاحب القرار النهائي فيه. تقريبا كانت تتكرر هذه النصيحة أثناء كل الخبرات العملية التي مررت بها، سواء من قبيل الخوف عليّ من المتاعب، أو من قبيل الاستسهال في العمل ـ وبلهجات مختلفة منها اللهجة الإماراتية ـ ولأني لم أعامل مديرا لي في حياتي وكأنه صاحب حمار.. لا أذكر أني التزمت بها ولو لمرة.
يقول لي صديق عراقي أن اسم مهنة مرافق الحمار في لهجتهم هو (متشاري) الذي يكون معه اينما ذهب بحمله وأينما حطه وأينما أكل أو تخلص من فضلاته؛ وللمتشاري دور أساسي في التأكد بأن الحمار يذهب أينما اراد مالكه له أن يذهب. ولذا تخيلت أن المثل (أربط الحمار مكان ما عايزه صاحبه) هو الرؤية التي يعمل المتشاري بها؛ ولكن أليس هذا المتشاري المأجور ملزوم كذلك بإخبار صاحب الحمار بأي ظروف غير سليمة يمر بها الحمار أو البيئة التي يعمل بها؟! أليست أي معلومات كهذه قد تغير رؤية صاحب الحمار فيقرر بعدها اتخاذ قرارات جديدة بخصوص مكان ربط حماره!
حسنا.. لا يعنيني في الأمر مبررات المتشاري في سلبيته تجاه صاحب الحمار وعدم قيامه بدوره السليم في تقديم الرأي والمشورة، ولست معنية بقوة وسطوة صاحب الحمار الذي لا يقبل أن يناقشه احد في مستقبل حماره ومكان ربطه، كل ذلك لا يعنيني، فنحن في أعمالنا لسنا متشارين، نحن اصحاب العمل وأصحاب الوطن والمستفيدين قبل غيرنا من جودته والمعنيين قبل الجميع باستمراره. نحن في وطننا لا نعمل عند أحد، وإنما نعمل في ملكنا ولأنفسنا ولأبنائنا ولمستقبلهم. إننا شركاء أساسيين في صنع الوطن ومجده. وبناء على كل ما سبق.. عزيزي القارئ مهما كان ما تقوم به بسيطا وصغيرا فهو لبنة أساسية في صرح الوطن الكبير.. وأنت مسؤول عنه، حاسب نفسك قبل ان يحاسبك احد.. (ولا مؤاخذة).
Als.almenhaly@ngalarabiya.com