ذئاب القصيدة
''على بُعد ذئب'' هو عنوان الديوان الأخير للشاعر اليمني الراحل محمد حسين هيثم (1958 ـ 2007) الذي صدر بعد رحيله· استدراك: الرحيل تخفيف لغوي لوقع حادثة الموت في العربية وهي تعكس الخوف من السفر وتوقع عوارضه، فالرحيل موت ممكن ومتوقع، كما أن الموت رحيل صوب مجهول مخيف·
وقد مرت ذكرى هيثم الثانية قبل أيام فلفتنا إليها واحد فقط من أصدقائه هو الشاعر أحمد السّلامي، لا بأس فالتناسي احتيال على الموت نفسه وآلية نفسية تعكس التجاهل للفقد المائل واللابث متربصا·
لعل هذا ما جعل الموت يأخذ صورة الذئب في شعرنا العربي، ربما كان ذلك تأثرا بالذئب المفترض الذي لم يأكل يوسف وظل كامنا في نيات إخوته للتخلص منه، أو ذلك الذي يتقنع بوجه الجدة ليأكل ليلى الصغيرة في حكاية ليلى والذئب التي ألهبت طفولتنا ولم يخل منها منهج دراسي في المدارس العربية·
هكذا صوّر الجواهري الموت بأنه ''ذئب ترصدني وفي أنيابه دم إخوتي وصحابي'' ولا يشذ عربيا إلا شاعر وحيد يضطر للاستئناس بعواء الذئب شاكيا خائفا من أصوات البشر، بينما يكتب الغربيون قصائد في الذئب وسواه من المتوحشات ويصفونه بأجمل الصفات، كالنمر الجميل بعينيه اللامعتين متأهبا للتوثب في قصيدة وليم بليك·
يخصص هيثم في ديوانه أربع قصائد للذئب ما يتيح الحديث عن (ذئبيات) شعره وعن ذئاب تعوي في القصائد فضلا عن مشابهات أخرى كقصيدة الضبع·
للذئب في الديوان هيئات كثيرة تؤكد أن صورته سكنت مخيلة الشاعر، فأنتجت: نار الذئب ومراياه وظهيرته وساعته في قصيدة واحدة استحالت فيها حتى الظهيرة ذئباً فهي تعوي (قصيدة: نار الذئب) وفي قصيدة أخرى يصبح العواء شاملا فتعوي حتى الثعالب، و في قصيدة ''الذئب على التلة'' يجسد هيثم العواء صوتيا بالحروف (عووووووو) وتصبح لازمة دلالية تنتهي بها المقاطع، وتختم القصيدة بصراخ تتزايد فيه حروف العواء· وثمة وصايا للذئب يرسلها لنسله بعده كي تستمر النهايات التي توقعها هيثم فكان الديوان نهاية له أيضا· تعدى فعل العواء وحضور الذئب لينهش جسده ويسلمه لغياب فاجأنا في يوم ربيعي كان يعتزم هيثم أن يوشحه بالشعر والمحبة كما هو شأنه بيننا·
لقد فعلها الذئب هذه المرة لا كمتهم بريء من دم ابن يعقوب، ولا متقنعا يلتهم جسد ليلى وكعكها وطفولتها بل جاء صريحا كما عاناه هيثم نفسه وعابثه متحدثا عن جنازة ينتحل للأصدقاء أعذار الغياب عنها· ربما حتى عن إحياء ذكراه:
''وثَمّ مشيّعون على الرفوف/ لكنهم لم يحملوا نعشي/ ولم يمشوا قليلا في جنازي واختفوا/ تركوا خلائي وحده/ يبكي ويبتكر الصفوف''·