القاهرة - حلمي النمنم:
تراجعت القواميس والمعاجم الخاصة بالشخصيات المهمة في مجالاتها والمؤثرة في تاريخ البلدان العربية، رغم ان التراجم فن عربي اصيل وفي العصور الاسلامية كان كُتاب الحوليات يقدمون تراجم لكل من توفى وعاصروه وهكذا تكون لدينا تراث عن ابرز شخصيات تلك العصور من مشايخ وفقهاء وعلماء وادباء وشعراء وحكام وحتى اللصوص والشطار والعيارين· وبعض الدارسين يرى ان اثمن ما قدمه الجبرتي في 'عجائب الاثار' هو التراجم التي كان يقدمها في نهاية كل عام للمتوفين ممن عاصرهم فمن خلال هذه التراجم يمكن ان نكون صورة كاملة للعصر بما فيه من اوجه تميز او نقاط ضعف· وحين ظهرت الصحف وانتشرت في القرن الماضي كان بعض الصحفيين يترجم لشخصيات العصر واحيانا كانت هذه الترجمات تفتقد المعلومات وتقوم على عبارات انشائية لذا لم يصمد الكثير منها امام السنوات، فضلا عن ذلك فان هذه التراجم كانت تخضع للمعايير الرسمية ويتم استبعاد من لا يتواءم مع الرسميين· وتوقفت الاجيال الأخيرة من الصحفيين عن التراجم للمعاصرين وما زلنا نعتمد على كتاب عمر رضا كحالة عن تراجم المؤلفين او أعلام الزركلي وكلها وقفت عند اوائل القرن العشرين·
وفي السنوات الاخيرة اصدرت الهيئة المصرية العامة للاستعلامات ما سمته موسوعة الاعلام وصدرت معيبة ولم يكن بها اي تدقيق للمعلومات ولم يكن وراءها عقل نقدي لكن الهيئة ارسلت الى عدد كبير من الشخصيات وطلبت من كل منهم ان يدون ما يريده عن نفسه وتم نشر هذا كله، بلا مراجعة ولا تنقيح وجاءت الموسوعة مليئة بالمبالغات حينا والاكاذيب حينا آخر ووجدنا أناسا ليس لديهم اي انجاز حقيقي على اي مستوى وتم تجاهل اسماء مهمة واعتمدت تلك الموسوعة على الاحياء فقط لذا لم تصبح مرجعا ولا حتى مصدرا للمعلومات او ارشيفا حول هؤلاء الذين ضمتهم· بهذا المعنى يستحق قاموس 'تراجم مصر الحديثة' الترحيب العلمي حيث يضم ترجمة وافية لعدد كبير من الشخصيات 367 شخصية حددها الباحث الاميركي ارثر جولد شميت وصدرت طبعته الانجليزية الاولى في العام 2000 وترجمه الى العربية استاذ التاريخ المعاصر بجامعة الزقازيق د· عبدالوهاب بكر وجاء القاموس في قرابة 900 صفحة من القطع الكبير حيث قضى المؤلف قرابة الثلاثين عاما في إعداد هذا القاموس وكان قد مارس التدريس فترة بالجامعة الاميركية في القاهرة واتاح له ذلك ان يجمع الكثير من المادة العلمية من داخل مصر واهدى 'ارثر' قاموسه الى شعب مصر وسكانها ومن يراجع القاموس يدرك ان المقصود هو شعب مصر وتاريخ مصر الحديث، وحتى الان لم يحسم المؤرخون والباحثون متى يبدأ تحديدا هذا التاريخ· والرأي السائد ان هذا التاريخ يبدأ عام 1798 مع حملة نابليون على مصر وهناك من يؤخره عدة سنوات الى بداية حكم محمد علي في عام 1805 وثمة رأي جديد يتشكل منذ سنوات ينحاز اليه صاحب القاموس وهو ان تاريخ مصر الحديثة يبدأ مع محاولات علي بك الكبير ومحمد بك ابي الدهب للنهوض بمصر وكان ذلك في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ولذا فانه وضع ترجمة في القاموس لشخصية علي بك وشخصية ابي الدهب فضلا عن ترجمة لكل من محمد مرتضى الزبيدي وعبدالرحمن الجبرتي اذ يعتبرهما المؤلف الرمز الفكري للتجديد في مصر وقد توافقا زمنيا مع مشروع علي بك الكبير فالزبيدي قام بالتجديد اللغوي من خلال لسان العرب والجبرتي صرف اهتمامه الى علوم الفلك فضلا عن التاريخ·
معايير الاختيار
ووضع المؤلف عدة معايير لاختيار الشخصيات·· المعيار الاهم هو فهمه لمصر ذاتها فهي عنده تلك المنطقة او البلد الذي حكم من القاهرة بواسطة المماليك والحكام العثمانيين او الخديوين والقناصل البريطانيين او المندوبين السامين والملوك ورؤساء الجمهوريات لكنه - اي القاموس- يستبعد السودان من تغطيته وكان مهما هذا الاستدراك من المؤلف لان السودان منذ عهد محمد علي وحتى نهاية القرن التاسع عشر كان جزءا من مصر وهو يريد مصر التاريخية التي نعرفها ويعرفها التاريخ لا مصر السياسية التي يمكن ان تتوسع خارج حدودها ويترتب على ذلك انه لن يرد في القاموس ذكر لشخصيات مصرية خدمت او عملت خارج حدود مصر مثل المسؤولين المصريين في السودان او افريقيا وغيرها وهو يريد الذين اثروا في مصر تأثيرا مباشرا ومن داخلها
والمعنى الاهم ان المؤلف الاميركي ابتعد عن المحاذير والمخاوف المصرية التي يمكن ان تصيب بعض المؤلفين المصريين فهو لم ينحز الى موقف أو تيار سياسي بعينه ولا مال الى اتجاه فكري دون آخر ولم يهمل مرحلة على حساب اخرى بمعنى انه مثلا لم يهمل رموز العصر الملكي في مصر بمن فيهم الملك فاروق الذي يقدم له ترجمة ضافية ونجد تراجم لرموز الاخوان المسلمين او تيار الاسلام السياسي وهناك ترجمة لكل من سيد قطب وخالد الاسلامبولي ويندر ذكر أي منهما في الكتب المصرية التي تصدر من هذا النوع·
فهم غير تقليدي
وفهم المؤلف آرثر جولد شميت الدور والتأثير التاريخي بالمعنى الواسع للتأثير فهو لم يتوقف عند الزعماء السياسيين او الجنرالات والقادة فهو لا يضع قاموسا سياسيا او عسكريا ولذا سوف نجد في القاموس الى جوار محمد علي وعلي بك الكبير الخديو اسماعيل وعبدالناصر وام كلثوم وعبدالوهاب وفاتن حمامة ويوسف وهبي وروز اليوسف وفكري اباظة ومحمد التابعي ومصطفى أمين وأحمد بهاء الدين وغيرهم· وهناك اسماء لشخصيات لمعت في زمنها ثم طواها النسيان ولم يعد هناك من يذكرها مثل الشيخ حمزة فتح الله مفتش اللغة العربية بالتعليم المصري زمن الخديو توفيق وهو احد الذين لعبوا دورا مهما في التعليم، وهناك عدة اسماء من هذا الوزن سقطت من الذاكرة العامة للمثقفين والمؤرخين ويدهش المرء لهذا الدأب الذي التزم به المؤلف·
وهناك مسألة مهمة وهي ان الرجل اعتمد في التدوين لكل شخصية على المعلومات فقط دون الشق الانشائي او التعبيرات الجوفاء وهو يدرك معنى كلمة قاموس وترجمة للشخصية لا خطابة ولا انشاء ولديه حرص حتى انه في الكثير من التراجم وجدنا حجم الاحالات الى مصادر تفوق من حيث الحجم والكم المادة التي اعدت حول الشخصية ذاتها، مصادر معظمها باللغة العربية فضلا عن اللغات الاوروبية او التركية في حالة الشخصيات العثمانية·
والواضح ان المؤلف استفاد كثيرا من وجوده في مصر فترة طويلة وتعرفه على عدد من الشخصيات البارزة في حقل التاريخ المصري من ابرزهم: د· يونان لبيب رزق الذي جلس اليه المؤلف طويلا واتاح له د· يونان ان يطلع على ارشيف مؤسسة 'الاهرام' ويستفيد منه وفي الاحالات والهوامش يثبت لنا ان هناك استفادة قصوى من الارشيف الصحفي عموما في مصر وشارك في سمنار تاريخ مصر بالجمعية المصرية للدراسات التاريخية والتقى بعدد من اساتذة التاريخ خاصة د· عبدالخالق لاشين استاذ تاريخ مصر الحديث والمعاصر بجامعة عين شمس وفضلا عن هؤلاء المؤرخين هناك عدد من الشخصيات التقاها المؤلف وشاركت في صنع احداث تاريخية مثل د· سيد كريم وآخرين ويذكر المؤلف انه مدين لكل سائق تاكسي في القاهرة 'عرفه بالارث الموسيقي المصري في الغالب'·
العندليب الاحمر!
ويذكر المترجم أنه ترجم هذا الكتاب بناء على نصيحة من د· يونان لبيب وعن الدوافع التي حدت به الى هذا العمل يقول: تقع مصر في المرتبة الاولى بين البلاد العربية سواء من حيث تعداد السكان أو الثقافة الشعبية والتوثيق التاريخي ولدى المصريين احساس متين بالشخصية القومية وكتب مصريون واجانب دراسات علمية عديدة وروايات رائجة عن علاقات مصر الخارجية والسياسة الداخلية والتجارة والصناعة والنثر والشعر والديانات والفنون الحية والتسلية والحياة الفكرية، وهناك زخم من التراجم الجماعية المتخصصة وهناك باللغة العربية على الاقل تراجم فردية لاغلب زعماء مصر السياسيين والمفكرين في الماضي والحاضر، ومع هذا فان الباحثين في تاريخ مصر الحديث يفتقرون حتى الان الى وسيلة مرجعية منظمة تحت ايديهم يمكن مقارنتها بالببلوجرافيا الاميركية تحوي روايات موجزة حول زعماء الامة كما انهم لا يستطيعون ان يجدوا مساعدات ببلوجرافية ترشدهم الى المادة المرجعية والمصادر المنشورة بالعربية وباللغات الاوروبية وهذا العمل يسد هذا الفراغ·
ويضيف: أردت منذ اكثر من ثلاثين عاما ان اجمع أو ان أحث آخرين على ان يجمعوا قاموسا تراجميا عن مصر يمكن ان يخدم فيما بعد كنموذج عامل لمجلدات تغطي البلاد العربية الاخرى فضلا عن (اسرائيل) وتركيا وايران وافغانستان·
ولا يعني ذلك ان القاموس بلا هنات او اخطاء فلديه ما يمكن ان نعتبره اخطاء عابرة مثل قوله عن عبدالحليم حافظ انه اشتهر باسم 'العندليب الاحمر' والواقع ان صحة التسمية هي العندليب الاسمر نسبة الى لون عبدالحليم القمحي او الاسمر لكن هناك ما لا يمكن ان نعزوه الى التسرع بل الى نقص المعلومات مثل ترجمته لشخصية مراد بك فهو يذكر رفض مراد بك لدعوة نابليون له للتصالح وان يحكم صعيد مصر ابتداء من جرجا باسم فرنسا وما لم يذكره القاموس ان هذا العرض تكرر في عهد كليبر بعد هروب نابليون من مصر وقبل به مراد بك وصار حليفا للفرنسيين ولقبه الجبرتي واهالي مصر باسم السلطان الفرنساوي والاكثر انه اثناء ما عرف تاريخيا باسم ثورة القاهرة الثانية شارك مراد بك في قمع الثورة وامد كليبر بالبارود الذي كان قد اشتراه باموال الضرائب التي جمعها من المصريين ليقاوم به الفرنسيين وكان وجود ذلك البارود هو العامل الحاسم بالنسبة للفرنسيين في اخماد الثورة وتدمير حي بولاق كاملا فوق رؤوس ساكنيه·
وأضاف المترجم عدة هوامش تمثل احيانا اضافات او تصحيحا لبعض المعلومات كما في المادة الخاصة بالموسيقار محمد عبدالوهاب اذ جاء في القاموس ان عبدالوهاب كان يقوم بتدريس الموسيقى في المدارس العامة بمصر حتى سنة 1952 والواقع ان هذا غير صحيح فقد توقف عن التدريس في نهاية العشرينات وقبل ان يلتقي بأمير الشعراء احمد شوقي اما في عام 1952 فقد كان عبدالوهاب في أوج مجده مطربا وملحنا وايضا ممثلا حتى انه كان يلقب بمطرب الملوك والامراء فقد كانت له قصيدة في امتداح الملك فاروق كتبها الشاعر صالح جودت وهي قصيدة الفن مازالت تغنى الى اليوم وبعد 1952 حذف منها كلمة فاروق التي لا تزال موجودة في الاسطوانات والتسجيلات عن الحفلات التي غناها قبل 23 يوليو ·1952 وكانت له قصائد مغناة ايضا لعدد من الامراء في العراق وسوريا ولكن المترجم لم يدرك كل الاخطاء كما في الترجمة الخاصة بمراد بك او الترجمة الخاصة بالمخرج السينمائي يوسف شاهين التي سقط منها ان شاهين نال في مصر جائزة الدولة التقديرية ومعها وسام العلوم والفنون من الطبقة الاولى·
أخطاء وهنات
والواقع ان هناك اخطاء وهنات في القاموس يجب ان يؤاخذ المترجم على انه تركها او فاته تصحيحها كما في حالة عبدالرحمن الشرقاوي حيث يقول المؤلف عن الشرقاوي: دعا بيانه 'محمد رسول الحرية' الى تشكيل اشتراكية اسلامية والحقيقة ان محمد رسول الحرية لم يكن بيانا ولكنه كتاب ليس صغير الحجم يمثل سيرة الرسول كما فهمها الشرقاوي، ولم يكن الكتاب يحمل كما فهم المؤلف الدعوة الى تكوين اشتراكية اسلامية ولكن كانت دعوة تقوم على تدعيم الحرية الانسانية وكتبه المؤلف في ظروف الاستبداد السياسي والقمع الذي مارسته بعض الاجهزة الامنية في زمن عبدالناصر تجاه الخصوم والمعارضين، صحيح ان الفهم المسطح والدارج للكتاب رأى فيه مسألة الاشتراكية باعتبار ان الشرقاوي كان يساريا وان الكتاب صدر في عصر عبدالناصر لكن القراءة المدققة للكتاب سوف تكشف سذاجة ذلك الفهم!! وهناك ايضا ترجمة القاموس لشخصية الشيخ الشرقاوي الذي لمع نجمه في سنوات ما قبل الحملة الفرنسية على مصر وصار اول رئيس لديوان العلماء الذي اسسه نابليون في مصر ·ويفصل التاريخ في حجم الضجة التي تثور حول اي شخصية عامة سواء كانت مبالغا فيها او عن استحقاق وثمة شخصيات اثارت الدنيا لكن لم يبق منها في ذمة التاريخ الا فقرة او فقرتان وربما صفحة· وفي صفحات القاموس التي قاربت 900 صفحة نال محمد علي حاكم مصر الاشهر 6 صفحات وهو اعلى رقم من الصفحات نالته احدى الشخصيات والواقع ان المادة العلمية بها اقل من صفحتين وبقية الصفحات مراجع ويليه كل من الخديو اسماعيل وجمال عبدالناصر وانور السادات ونجيب محفوظ حيث حظي كل منهم بخمس صفحات وربما تكون المادة الخاصة بعبدالناصر هي الاكبر اذ تقع في اربع صفحات وصفحة واحدة للهوامش والمراجع·
ويحسب للمؤلف انه لم يبهر بما يتردد عن بعض الشخصيات سواء كان مدحا او ذما وانتقادا يبدو ذلك في ترجمته لشخصية سامي شرف فقد اتهمته معظم الصحف المصرية طوال سنوات السبعينات بانه كان عميلا للمخابرات السوفيتية وقت ان كان سكرتيرا للرئيس عبدالناصر للمعلومات لكن القاموس يصوغها على هذا النحو 'زعمت المخابرات البريطانية والاميركية انه كان في جدول الرواتب بالمخابرات السوفيتية من عام '1959 وهذه معلومة موثقة ومنسوبة الى مصدرها ومحايدة في تقديمها·
وفي ترجمته لشخصية يوسف شاهين لم يتوقف طويلا عند النقاد الذين هاجموا شاهين باعتباره يساريا او شيوعيا، ولم يتردد يوسف شاهين ان يعلن كثيرا عن انحيازه لليسار وقام كُتاب اليسار بالتنظير لتلك المسألة ويقدمها القاموس في جملة واحدة محددة 'اُعجب بعبدالناصر ورأى نفسه يساريا ومن ثم جاء عمله 'الارض' من افلام الواقعية الحديثة عن قصة عبدالرحمن الشرقاوي في 1968 لكنه لم يتحمل يد البيروقراطية الثقيلة للاشتراكية العربية وبسبب هذه البيروقراطية فقد ذهب الى منفى اختياري لسنتين'·
وذكر القاموس بقية افلام يوسف شاهين، خاصة في العقدين الأخيرين والتي تثبت انه يساري·