قتل ثمانية أشخاص وأصيب 20 آخرون في اشتباكات اندلعت أمس بين أنصار المرشحين المتنافسين في الانتخابات المحلية في تركيا، فيما تصدر حزب العدالة والتنمية بزعامة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان نتائج الانتخابات.
وقال مسؤولون أمنيون إن ستة أشخاص قتلوا في معركة بالمسدسات بين عائلتين في قرية «يوفاجالي» التابعة لبلدة «هيلوان» في محافظة «شانلي أورفا» جنوب شرق تركيا المتاخمة لسوريا، حسبما ذكرت صحيفة «حريت» التركية.
وفي منطقة سيفريك في نفس المحافظة، حدثت مشاجرة أخرى بعدما أصرت عائلة على انتهاك قاعدة التصويت من دون ذكر الاسم، ما أدى إلى وقوع عدة إصابات. وقال مسؤولون إن شخصين لقيا حتفهما في تبادل إطلاق النار بين أقارب مرشحين في اشتباكات في إحدى القرى بمحافظة هاتاي جنوبي تركيا. وأفادت تقارير بأن تسعة أشخاص على الأقل أصيبوا في المنطقة القريبة من الحدود مع تركيا.
في غضون ذلك، تصدر حزب العدالة والتنمية بزعامة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان نتائج الانتخابات البلدية في تركيا متقدما على المعارضة حسب النتائج الجزئية الأولية التي نشرتها وسائل الإعلام. وأظهرت النتائج الأولية غير الرسمية للانتخابات تقدّم حزب العدالة والتنمية الحاكم بفارق كبير عن أقرب الأحزاب المنافسة. ونشرت وسائل إعلام تركية، مساء أمس، نتائج أولية غير رسمية لنتائج الانتخابات البلدية في عموم البلاد أظهرت حصول حزب العدالة والتنمية على 48% من نسبة الأصوات، فيما حصل حزب الشعب الجمهوري المعارض على 27.5%، وحزب الحركة القومية 13.5% من الأصوات في عموم البلاد حتى الساعة.
وحصل حزب العدالة والتنمية على 74% من نسبة الأصوات المفروزة حتى الساعة، في مدينة قيسري مسقط رأس الرئيس التركي عبدالله غول، كما حصل الحزب على 82% من أصوات الناخبين في مدينة قونيا، مسقط رأس وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو.
وبدأ الأتراك، صباح أمس، الإدلاء بأصواتهم في انتخابات بلدية حاسمة للمستقبل السياسي لرئيس الوزراء، رجب طيب أردوغان، الذي يواجه فضيحتي فساد وتنصّت هاتفي. وبدأ التصويت في 32 محافظة تركية لانتخاب عمد عن مدن ومقاطعات، وأعضاء لمجالس البلديات، ومخاتير القرى والأحياء، في انتخابات يتنافس فيها 26 حزباً مختلفاً. وأدلى أردوغان بصوته في إسطنبول، مؤكداً أن «الأمة ستقول اليوم الحقيقة» عبر الانتخابات البلدية الحاسمة لمستقبله في رئاسة الحكومة. وصرح أردوغان للصحفيين بعدما صوت مع زوجته أمينة في إقليم أوسكودار على الضفة الآسيوية من إسطنبول أن «ما ستقوله الأمة سيكون أهم مما قيل خلال التجمعات الانتخابية». وأعرب رئيس الوزراء أيضا عن الأمل في أن تشكل هذه الانتخابات «خطوة نحو الديمقراطية» في بلاده.
من جانبه صوت زعيم أكبر حزب معارض كمال كيليتشدار أوغلو في العاصمة أنقرة، حيث يأمل أن ينتزع مرشح حزبه رئاسة البلدية من حزب العدالة والتنمية الحاكم.
وصرح رئيس حزب الشعب الجمهوري للصحفيين «يجب تعزيز وتطهير ديمقراطيتنا، سنبني ديمقراطية نظيفة، أنا واثق ببلدي». ودعي الناخبون الأتراك أمس إلى انتخابات بلدية حاسمة لمستقبل الحكومة الإسلامية المحافظة ورئيسها أردوغان الذي يتخبط في فضيحتي فساد وتنصت هاتفي.
وقد أقبل الأتراك بكثافة على المشاركة في انتخابات حاسمة لمستقبل أردوغان الذي يأمل في أن يسكت عبر صناديق الاقتراع حركة الاحتجاج التي تهدده واتهامات الفساد التي تحوم حوله.
وفي ختام حملة انتخابية حادة ترافقت مع أخبار الفضائح والجدالات والتظاهرات العنيفة، تحولت هذه الانتخابات المحلية إلى نوع من الاستفتاء على الرجل الذي يحكم تركيا.
فالذين يرون فيه صانع النهضة الاقتصادية في تركيا يدعمونه بقوة أما الآخرون فيرون فيه «ديكتاتورا».
وإيمانا بدعم أغلبية الشعب له أعرب رئيس الحكومة عن تفاؤله التام وهو ينتخب في إسطنبول. وقال أردوغان «رغم كل التصريحات والخطابات التي ألقيت خلال الحملة الانتخابية فإن شعبنا سيقول الحقيقة» مضيفا «ما سيقوله الشعب هو الحقيقة ويجب احترام قراره». من جانبه أعرب زعيم أكبر أحزاب المعارضة كمال كيليتشدار أوغلو عن ارتياحه للانتخابات قبل ساعات من ظهور النتائج.
وحجم النتائج التي سيحققها حزب العدالة والتنمية ومصير أكبر مدينتين في البلاد إسطنبول وأنقرة سيحددان الاستراتيجية التي سيتبعها مستقبلا أردوغان الذي تنتهي ولايته الثالثة والأخيرة على رأس الحكومة في 2015.
وفي هذا المناخ الشديد التوتر، توافد الناخبون الأتراك الذين يزيد عددهم على 52 مليونا منذ ساعات الصباح الأولى على مكاتب الاقتراع بكثافة ولكن وسط حالة من الانقسام الشديد.
وقالت نورجان جليشكان «نحن هنا لنؤكد بأصواتنا أن أردوغان قادر على مواجهة كل الهجمات». وأضافت ربة المنزل التي تبلغ الثامنة والثلاثين من العمر بينما كانت تدلي بصوتها في حي سيسلي بإسطنبول «لا أعتقد أنه سرق أموالا. وحتى لو كان فعل، فأنا على ثقة أنه فعل ذلك من أجل مصلحة البلاد».
في المقابل قال عارف دوكوماتشي وهو طالب في الثانية والعشرين «أردوغان أثبت أنه على استعداد لأي شيء من أجل البقاء في السلطة»، مضيفا «اليوم لدينا فرصة لنقول وداعا للاستبداد، لكنها قد تكون الأخيرة». وقالت غونجا غورسيس التي صوتت في الحي نفسه أن «كل صوت ضد أردوغان وحزبه هو صوت من أجل تركيا أفضل».
وأضافت هذه المديرة المالية التي تبلغ الثامنة والعشرين من العمر «لقد أساء إلى الديمقراطية وكذلك إلى حرية التعبير». وقالت «لو كان حريصا فعلا على مصلحة الأتراك لكان استقال منذ فترة بعيدة». قبل سنة وهو في أوج قوته تلقى أردوغان، «الرجل العظيم» كما يسميه أنصاره أو «السلطان» كما يلقبه خصومه ساخرين، أول إنذار في يونيو 2013 عندما نزل ملايين الأتراك إلى الشارع مطالبين باستقالته.
وازدادت عليه الضغوط منذ أكثر من ثلاثة أشهر مع اتهامات خطيرة بالفساد طالت جميع المحيطين به.
ردا على ذلك شن أردوغان هجوما مضادا مشددا نبرة خطابه لحشد أنصاره.
وأعلن الحرب على حلفائه السابقين أعضاء جمعية فتح الله غولن «الخونة» الذين اتهمهم بإقامة «دولة موازية» وبث تسريبات هاتفية على الإنترنت لتشويه سمعة نظامه.
هذه الحرب بين الحليفين السابقين بلغت أوجها الخميس بعد تسريب تسجيل لمضمون اجتماع «سري للغاية» تحدث فيه أربعة مسؤولين كبار منهم وزير الخارجية أحمد داود أوغلو ورئيس جهاز الاستخبارات حقان فيدان عن مبرر لتدخل عسكري في سوريا دون إخفاء أهدافهم الانتخابية. وردت الحكومة ورئيسها اللذان شعرا بالحرج لهذا التسريب، بحملات تطهير وإجراءات استبدادية وخصوصا حجب موقعي التواصل الاجتماعي يوتيوب وتويتر، مما أثار موجة انتقادات حادة وخاصة في الخارج.
وتظاهرت أمس اثنتان من حركة فيمن النسائية ضد هذه القيود التي فرضت على شبكات التواصل الاجتماعي وكشفتا أمام مكتب اقتراع في إسطنبول عن صدريهما وقد كتب عليهما «احجبوا أردوغان» قبل أن يتم اعتقالهما. ويرى العديد من المحللين أن الانتخابات لا تعني نهاية الأزمة السياسية في تركيا. وقال الصحفي الشهير حسن جمال إن «شرعية أردوغان ستبقى موضع شك بعد الانتخابات أيا كانت النتائج». وقد يدفع فوز كبير أردوغان إلى الترشح للانتخابات الرئاسية في أغسطس المقبل التي ستجرى للمرة الأولى بالاقتراع العام المباشر. أما تقلص الفارق مع المعارضة فسيقنعه بالعمل على البقاء على رأس الحكومة في الانتخابات التشريعية في 2015 مع تعديل في النظام الداخلي لحزبه.
وقال برينتي ساسلي الباحث في جامعة تكساس «سواء بقي أردوغان بعد 2015 أو لم يبق، الأضرار التي نجمت عن هذه الأزمة هائلة ولا يمكن إصلاحها بسهولة». وأضاف أن «سياسة الخوف والتآمر تبدو راسخة في الحياة السياسية التركية اليوم أكثر من أي وقت مضى».
وكان أردوغان المتمسك بخطابه الهجومي والاستفزازي، دعا أنصاره إلى توجيه «صفعة قوية» لخصومه الذين وصفهم «بالجواسيس» و»الخونة» الذين يتآمرون عليه، في الانتخابات.
وفي ختام حملته في إسطنبول التي يأمل في أن يستعيدها من حزب العدالة والتنمية مع العاصمة أنقرة، قال زعيم أكبر أحزاب المعارضة حزب الشعب الجمهوري كمال كيليتشدار أوغلو «لقد عرضوا الجمهورية للخطر أنهم يريدون التستر على الفساد ويريدون إخفاء السرقات التي اتهموا بها». وبعد عشرة أشهر على الحركة الاحتجاجية الواسعة التي شهدتها تركيا الربيع الماضي، انتهز مئات الآلاف من الأشخاص هذا الشهر فرصة تشييع فتى أصيب بجروح قاتلة برصاص الشرطة، لينزلوا إلى الشوارع من أجل المطالبة باستقالة «الديكتاتور» و»القاتل أردوغان». وكرر أردوغان أن «من يفوز في إسطنبول يربح تركيا». وكان أردوغان في الماضي رئيسا لبلدية هذه المدينة التي يبلغ عدد سكاتها 15 مليون نسمة. (أنقرة - وكالات)