القاهرة (الاتحاد)
عندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يثرب قام بتغيير اسمها إلى «المدينة» واجتمع بالقبائل بكل اختلافاتها الإثنية والثقافية واتفق معهم على وضع وثيقة تنظم طريقة تعايشهم في مجتمع واحد يجد كل فرد منهم دوره فيه، وتمثل هذه الوثيقة أول دستور مدني في التاريخ، بها حرية للمعتقد والعدالة والأمان والشعور بالمواطنة وبتكوين الدولة، وتحتوي على اثنين وخمسين بندا، يختص خمسة وعشرون منها بأمور المسلمين، وسبعة وعشرون بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى.
اعتبر المؤرخون والمستشرقون دستور المدينة، مفخرة من مفاخر الحضارة الإسلامية، ومَعلماً من معالم مجدها، ويهدف إلى تحسين العلاقات بين مختلف الطوائف والجماعات، وعلى رأسها المهاجرون والأنصار والفصائل اليهودية وغيرهم، حتى يتمكن بمقتضاه الجميع من التصدي لأي عدوان خارجي على المدينة، التي صارت دولة وفاقية، وأصبحت جميع الحقوق الإنسانية مكفولة، كحق حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، والمساواة والعدل.
قال ابن اسحاق: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كتاباً بين المهاجرين والأنصار، وادعَ فيه اليهود وعاهدهم، وأقرَّهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم، واشترط عليهم، حيث أقام المجتمع على أساس الأخوّة، والعدل، والمسؤولية الفردية، والتكافل الاجتماعي، وصون العلاقات بين الأفراد، وعلاقته بالمجتمعات الأخرى في السلم والحرب، كما أكد على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والقصاص والديات، ونصّ على حقوق المواطنين، وحافظ على دمائهم.
وتضمّن ميثاق المدينة أحكاماً عملية ومنهاجاً واقعياً، التزم به المسلمون فأصبحوا أفضل المجتمعات وأقواها، وتعامل مع اليهود بأخلاق الإسلام، وتعاليم الشريعة، وكان من أركان هذه العلاقة: حرية المعتقد والملكية، والنُصرة حال العدوان، والأخوّة والتعاون، فهذه الصحيفة تدل على أن الإسلام يقبل تأسيس مجتمعٍ سياسي متنوع في دولة واحدة، ونظام حكم واحد على أساس الإسلام، يتمتع الجميع فيها بحق المواطنة الكاملة، وحقق النبي من خلال هذه الصحيفة أهدافاً إنسانيّة ودينيّة واجتماعية، وسياسية عظيمة، منها توثيق الصلات بين المسلمين وتحقيق الأمن والاستقرار، كما ساهمت في تذويب العصبيات والنزاعات الجاهلية، وتحقيق الوحدة بين جميع سكان يثرب.