27 يوليو 2008 01:31
ظل عبدالكبير الشرقاوي وفياً لنهجه في الكتابة بعد أن اختار أن يكون موضوع أطروحته هو المجال الذي يشتغل فيه ككاتب، ألا وهو الترجمة، فأصدر كتابه الجديد ''شعرية الترجمة'' عن دار توبقال في حلة بديعة، حيث يتكون الجزء الأول من ثلاثة أجزاء، وقد اتخذ البحث، من أجل إرساء معالم شعرية للترجمة، نموذج الملحمة اليونانية في الأدب العربي، بوصفها إحدى الظواهر الثقافية التي ارتحلت بقوة من النسق الثقافي اليوناني إلى النسق الثقافي العربي، بواسطة الترجمة، حتى أنها أصبحت جزءا لا يتجزأ من هذا النسق· وقد تشكل الكتاب من قسمين، القسم الأول: يتضمن فصلين، والقسم الثاني جاء في ثلاثة فصول، إضافة إلى مقدمة للباحث؛ ومدخل توقف من خلاله على مجموعة من المفاهيم الاستراتيجية التي سيحتاجها المسار البحثي·
في المقدمة عمد الباحث إلى الوقوف على الدواعي التي جعلته يختار هذا الموضوع بالضبط، دون غيره، منبها إلى ما تكبده من مشاق معنوية، تمثلت بالأساس في شبه انعدام تام للعدة المنهجية والأداتية والموضوعية التي يمكن الارتكاز عليها لولوج عتمة المسلك الذي يتحصن فيه الموضوع، مبينا الآفاق التي مهدت له سبل هذا الاقتحام، والغاية التي رسمها من خلال مناورته البحثية هذه·
أما المدخل الآخر فقد احتوى على ثلاثة فصول: الأول في نقد الترجمة، والثاني في مقاربة أولى لمفهوم الترجمة عند العرب، والثالث في تعريب الملحمة، والرابع في تعريب مصطلح ''ملحمة''، في حين أن القسم الأول تضمن فصلين: الأول في سيرة هوميروس والثاني في شعر هوميروس، أما القسم الثاني فيتوفر على فصول ثلاث: الأول في مفهوم النوع الملحمي عند أرسطو، والثاني في ترجمة أبي بشر بن متى بن يونس لكتاب فن الشعر ومفهوم الملحمة الأرسطي، والثالث في شروح الفلاسفة على كتاب فن الشعر ومفهوم الملحمة الأرسطي·
يحدد الباحث أهداف مغامرته البحثية هذه بقوله: ''فتاريخ الترجمة الأدبية العربية لم يكد يكتب بعد، وكثير من صفحاته لا تزال مطوية رغم إشراقها، والهدف الثاني هو استكشاف مناهج وطرائق تحليل الأدب المترجم، الذي رغم انتسابه إلى النسق الأدبي، فهو مع ذلك ذو خصوصية نوعية في منشئه وإنتاجه وتلقيه تستدعي طرائق تحليل نوعية خاصة ضمن النص الواصف الكبير الذي موضوعه الأدب، والهدف التالي، الذي هو غاية البحث وخلاصته، سيكون إيجاد شعرية الترجمة بوصفها نظرية عامة لتحليل الأدب المترجم، وتشييد خطاب واصف يحيا على المراوحة الدائمة بين الممارسة، التي هي جوهر الترجمة، والنظرية، التي بدونها تفقد الممارسة الترجمية إحداثياتها ووعيها بذاتها· وشعرية الترجمة بهذا الوصف هي مشروع وحلم اكثر منها حقيقة قائمة· وقد اشتغل الباحث، في مسار بحثه هذا، بنصوص ناتجة عن عمليات نقل وتعريب وترجمة لنصوص ملحمية أو ذات صلة بجنس الملحمة من آداب غير عربية، وسيكون موضوع هذا البحث ''دراسة تعريب هذه النصوص وطرائق صياغتها النصية وأشكال اندراجها في النسق الأدبي العربي أثناء فترة تاريخية تمتد من بدايات الحركة الترجمية عند العرب بعد الإسلام حتى نهاية القرن التاسع عشر''·
كما أشار الشرقاوي إلى انه طيلة هذه الفترة الهائلة من الزمن، لم يصلنا إلا نزر قليل من الأعمال الملحمية المترجمة، والتي ضاع أغلبها ولم يتبق منها سوى بعض النتف القليلة من الشواهد والنماذج المختصرة، ولعل هذا العامل كان من العوائق التي اعترضت سبيل البحث وجعلته يعاني الأمرين قبل أن يخرج إلى حيز الوجود، وكما هو معرف فندرة المادة المشتغل بها أو ضعفها أو ضياعها تشكل أهم العقبات أمام الباحثين، وتجعلهم عاجزين عن إعطاء تصور ثابت وكامل وعام· هذا من جهة، ومن جهة أخرى كانت تنتصب أمام الباحث عقبة مهمة أخرى وهي انصراف المترجمين العرب الأوائل إلى ترجمة العلوم والفلسفة والمعارف المرتبطة بهما، مع إغفال ترجمة المعارف الأدبية والنقدية إلى اللغة العربية· دون أن ننسى ضعف الترجمة الأدبية لدى العرب، كل هذه الأسباب تضافرت حسب الباحث لتترك فراغا مهولا في هذا الجانب·
وقد وجد الباحث نفسه موزعا بين النصوص المترجمة للملحمة وتحليلها ودراسة نسقها البنائي والفني والخطابي والتداولي، وبين إيجاد منهج نقدي للترجمة ومعضلاته النظرية والتطبيقية·
المصدر: الرباط