أحمد مراد (القاهرة)
الصحابي الجليل، عمير بن سعد بن عبيد الأنصاري، توفي والده بعد ولادته بسنوات قليلة، وتزوجت أمه الجلاس بن سويد الأوسي، أحد أثرياء المدينة، فنشأ عمير في حجره ورعايته، وكان يجد منه معاملة حسنة وكريمة، حتى أحبه حب الولد لأبيه، كما تعلق قلب الجلاس بالطفل اليتيم.
أسلم عمير بعد وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، وكان عمره عشرة أعوام، ولم تمض سوى أيام قليلة حتى تعلق الطفل الصغير بدينه الجديد ورسوله، ورغم صغر سنه إلا أنه حرص على ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم ومصاحبته، وتلقى توجيهاته وتعليماته، وعُرف الطفل بين المهاجرين والأنصار بشدة التقوى وكثرة العبادة وحب الطاعة.
كما عُرف عمير بن سعد بغيرته الشديدة على الإسلام ورسوله، وتقديم عقيدته على كل شيء بما في ذلك أمه وزوج أمه الذي تربى في كنفه، فذات مرة قال الجلاس بن سويد: إن كان محمد صادقاً في ما يدعيه فنحن شر حمير، وعندما سمع عمير هذا، غضب غضباً شديداً، وأسرع بالرد عليه قائلاً: والله يا جلاس إنك لمن أحب الناس إليّ وأحسنهم عندي يداً، وأعزهم عليّ أن يصيبه شيء يكرهه، ولقد قلت الآن مقالة لو أذعتها عنك لآذتك، ولو صمت عليها ليهلكن ديني، وإن حق الدين لأولى بالوفاء، وإني مبلغ رسول الله ما قلت، ووالله إن رسول الله صادق، وأنت أشر من الحمير.
أخبر عمير بن سعد رسول الله بما قاله زوج أمه، فبعث النبي إلى الجلاس وطلب منه الحضور، فأنكر الجلاس، وأقسم بأنه لم يقل ذلك الكلام، وقد لام بعض الحضور عميراً، وقالوا له: هل هذا جزاء إحسانه إليك، فبكى الغلام الصغير، ودعا ربه قائلاً: اللهم أنزل على نبيك تبيان ما تكلمت به، وعندها نزل الوحي بآيات تؤكد صدق عمير وكذب الجلاس: (يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ)، «سورة التوبة: الآية 74».
وهنا اعترف الجلاس بكذبه وصدق عمير، وقال: بل أتوب يا رسول الله، بل أتوب يا رسول الله، صدق عمير وأنا من الكاذبين، وهنا توجه الرسول إلى عمير ومد الرسول يده إلى أذنه وقال: «وفت أذنك -يا غلام- ما سمعت وصدقك ربك»، وكان الجلاس بعدها يقول: جزى الله عميراً عنى خيراً فلو تركني لمتُ على الكفر.
في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب، وقع الاختيار على عمير بن سعد ليكون والياً على حمص، وحاول عمير أن يعتذر عن هذه الولاية، لكن عمر ألزمه بها، وعندما وصل إلى حمص خطب في أهلها قائلاً: ألا إن الإسلام حائط منيع، وباب وثيق، فحائط الإسلام العدل، وبابه الحق، فإذا نقِض (هدم) الحائط، وخطم الباب، استفتح الإسلام، وما يزال الإسلام منيعاً ما اشتد السلطان، وليست شدة السلطان قتلاً بالسيف، ولا ضرباً بالسوط، ولكن قضاء بالحق، وأخذاً بالعدل.
عاد عمير بن سعد بعد ذلك إلى المدينة المنورة، حتى مات ودفن فيها.