أحمد شعبان (القاهرة)
الأمانة خلق حميد وصفة أساسية من صفات الرسل والأنبياء، ولذلك كانت من أهم صفات نبينا الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - الصدق والأمانة.
ويقول الدكتور منتصر مجاهد - أستاذ التربية الإسلامية بجامعة قناة السويس: من الأوامر الإلهية في خلق الأمانة قوله تعالى في سورة النساء: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)، «سورة النساء: الآية 58»، يأمر الله تعالى في هذه الآية الكريمة بأداء الأمانات إلى أهلها وأن يؤدوا ما ائتمنوا عليه من حقوق وأموال وصدقات الرعية بأن يردوها إليهم بعد أن تصير في أيدي من أؤتمن عليها وألا يظلموها ولا يستأثروا بشيء منها ولا يضعوا شيئاً منها في غير موضعه ولا يأخذوها إلا ممن أذن الله لهم بأخذها منه قبل أن تصير في أيديكم ويأمر الله إذا حكمتم بين رعيتكم أن تحكموا بينهم بالعدل والإنصاف وذلك حكم الله الذي أنزله في كتابه وبينه على لسان رسوله.
الودائع
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك»، وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله - عز وجل - على عباده من الصلوات والزكوات والكفارات والنذور والصيام، وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع، وغير ذلك مما يؤتمنون به من غير اطلاع بينة على ذلك، فأمر الله - عز وجل - بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة، كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء».
والله تعالى وصف المؤمنين الصالحين الذين كتب الله سبحانه وتعالى لهم الفلاح والرشاد في الدنيا والآخرة بأنهم يرعون أماناتهم ويؤدونها حق الأداء قال تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)، «سورة المؤمنون: الآية 8»، والأمانة تشمل كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولاً وفعلاً، وهي أداء الحقوق والمحافظة عليها فالمسلم يعطي كل ذي حق حقه ويؤدي حق الله في العبادة ويحفظ جوارحه عن الحرام ويؤدي ما عليه تجاه الخلق والأمانة خلق جليل من أخلاق الإسلام وأساس من أسسه، فهي فريضة عظيمة حملها الإنسان، بينما رفضت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها لعظمها وثقلها قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)، «سورة الأحزاب: الآية 72».
صفة الرسل
والأمانة صفة مميزة لأصحاب الرسالات والأنبياء فقد كانوا يقولون لقومهم: «إني لكم رسول أمين» سورة الشعراء، ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتصف منذ صغره بالأمانة ولقب بين قومه بالصادق الأمين وجعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأمانة دليلا على إيمان المرء وحسن خلقه وعن أنس بن مالك قال ما خاطبنا نبي الله - صلى الله عليه وسلم - إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له» ومن آخر وصايا النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع الوصية بالأمانة فقال: «ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها» وبسط يديه فقال: «ألا هل بلغت ألا هل بلغت».
والأمانة في العبادة من أهم وأعظم أنواع الأمانات التي يجب على المسلم أن يلتزم بها فيؤدي فروض الدين كما ينبغي ويحافظ على الصلاة والصيام والزكاة وبر الوالدين وغير ذلك من الفروض التي يجب على المسلم أن يؤديها بأمانة لله رب العالمين فعن عبدالله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: «من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف»، وكذلك الأمانة في حفظ الجوارح والأعضاء فكلها أمانات يجب على المسلم أن يحافظ عليها ولا يستعملها فيما يغضب الله سبحانه وتعالى فالعين أمانة يجب عليه أن يغضها عن النظر إلى الحرام والأذن أمانة يجب عليه أن يجنبها سماع الحرام واليد أمانة لا تسرق والرجل أمانة لا تمشى إلا في طريق حلال قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «العين تزني والقلب يزني فزنى العين النظر وزنى القلب التمني والفرج يصدق ما هنالك أو يكذبه».
أمانة التعامل
ومن الأمانة حفظ الودائع وأداؤها لأصحابها عندما يطلبونها كما هي مثلما فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم مع المشركين - فقد كانوا يتركون ودائعهم عند الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليحفظها لهم ولذا حث النبي - صلى الله عليه وسلم - على رد الودائع إلى أصحابها فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله عز وجل»، ومن الأمانة أن يؤدي المرء عمله على خير وجه فالعامل يتقن عمله ويؤديه بإجادة وأمانة والطالب يؤدي ما عليه من واجبات ويجتهد في تحصيل علومه ودراسته عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه».