20 يوليو 2011 19:35
ظل الأدب الأيرلندي حتى مطالع القرن السابع عشر، هو أدب الحكايات الشعبية والقصائد الغنائية والشعر القصصي والمسرحيات والروايات والقصص التي يتداولها العامة. لكن بعد ذلك، قُيّض لهذا البلد البارد، ذي الطبيعة القاسية أعلام كبار رفعوا اسم بلادهم في كل المحافل الثقافية، خصوصا مع بدء موجات الهجرة الإيرلندية عبر المحيط الأطلسي تجاه العالم الجديد. ويتميز الأدب الأيرلندي الكلاسيكي باستخدامه البارع للغة، خصوصا العامية الدارجة باعتبارها لغة الحياة اليومية للناس، حتى ولو كانت الأعمال الأدبية أعمالهم الواقعية بالخيال (الفانتازيا).
وتصف الأساطير الأيرلندية المبكّرة أعمالًأ للملوك ومن يسمونهم القديسين والأبطال الأيرلنديين الآخرين. وكثير من القصائد الغنائية التي كتبها الرهبان والنُسَّاك إبان القرون الوسطى تتضح فيها الملاحظات الدقيقة والحب المجرد للطبيعة والإعجاب المخلص بها. وقد عبّر عدد من المسرحيات التي أنتجت في أيرلندا في أوائل القرن العشرين عن الغضب ضد بريطانيا لرفضها منح أيرلندا استقلالها.
وقد كُتبت بواكير الأدب الأيرلندي باللغة الأيرلندية أو الغيلية. وفي عام 1171م بدأ البارونات النورمنديون في إنجلترا احتلال الأراضي الأيرلندية. فدخلت اللغة الإنجليزية إلى أيرلندا في القرن الثالث عشر الميلادي عبر الحرفيين الإنجليز وأصحاب المتاجر الذين استقروا في الإقطاعيات النورمندية. ثم استولت الحكومة الإنجليزية على أيرلندا عام 1541م. وفي بداية القرن التاسع عشر انتشر استخدام اللغة الإنجليزية بشكل واسع، لدرجة أن اللغة الغيلية أوشكت على الانقراض. ولكن انفجار القومية الأيرلندية قاد إلى إحياء هذه اللغة في أواخر القرن التاسع عشر. واليوم يكتب معظم المؤلفين الأيرلنديين باللغة الإنجليزية.
وإذ يتكئ أغلب المؤلفين المحدثين على الوصف المليء بالحيوية ما يؤدي إلى ثراء اللغة سواء كان ذلك بالتهكم أو التورية أو السخرية، لكن جزءا كبيرا من الأدب الأيرلندي المعاصر تسوده روح الكآبة إلى حد التشاؤم.
ومن الأدباء الإيرلنديين المعاصرين الكاتب “كولوم ماكين” Culum Mccann الذي يقول عنه النّقّاد إنه أحد الروائيين الكبار في عالم الفكر والأدب العالمي، وهناك شبه إجماع بأنّه أحد “أهرامات” الأدب العالميّ، وقد نشر روايات من اهمها “الراّقص” Danseur و”زولي” Zoli، ولكن الرواية الّتي مثّلت حدثا وجعلت مؤلّفها في صفّ الكبار هي “مواسم اللّيل”، وعنوان الرواية في ترجمتها الفرنسية هو Les Saisons de la nuit واجمع النّقاد على القول بأنّ هذه الرّواية دليل على قدرة الأدب في محاربة الآراء المسبقة الرّاسخة في أعماقنا وفتح آفاق فسيحة أمامنا.
وأهم شخصيات هذه الرواية هم من المهمّشين والمتشرّدين والسّود، وأحداثها تجري في الولايات المتّحدة الأميركيّة. ويصوّر فيها المؤلف مصير شخصيّات لا قواسم مشتركة بينها، تتقاذفها أقدار الحياة، وهم أيضا من المراهقين التّائهين في الشّوارع والساقطات اللاتي نهشهن الزمن الذي لا يرحم، والمجرمين التّائبين، وكلّ هؤلاء الذين كلما نما غصن أخضر غض في شجرة حياتهم، يهب ريح يعصف به وبهم.
والمؤلّف له من ثراء اللّغة ما يمكّنه من وصف دقيق لوسط يعمّ فيه العنف والجريمة والقبح.
أما روايته “وليواصل العالم الشاسع سباقه المجنون” Et que le vaste monde poursuivre sa course folle فإنّ أبطالها هم من أيضا من الهامشيين والمرفوضين والمحطّمين الفاشلين،، وهم رجال دين منافقون، ومراهقون ابتلعتهم الشّوارع.
ولد الروائي الإيرلندي “كولوم ماكين” (46 سنة) بضواحي دبلن، وسبق ان عمل صحفيا يختار أبطال قصصه من طينة الذين لاحظّ لهم في الحياة، وهو يتعمّد إظهار الوجه الأسود للإنسان والإنسانيّة، ويصوّر كلّ ذلك ويصفه بأسلوب جميل آسر، وبلغة سلسة في نثر بديع.
ويرى النقاد أنّ هذا الروائي الذي هاجر الى اليابان، ثم استقر في نيويورك نجح رغم جو الجريمة والعنف والقبح الذي يسود أحداث قصصه في تصوير ذلك وتقديمه في شكل يغلب عليه الجمال، كما أن قارئ هذه الروايات يخرج منها مقتنعا بأن الأدب عندما يكون متأججا يسمح بتوسيع آفاق القارئ ويساهم في مقاومة الآراء المسبّقة. و”كولوم ماكين” يدرس حاليا فن الكتابة في إحدى الجامعات الأميركية وقد تمت ترجمة رواياته الى اكثر من 26 لغة.
أما إدنا اوربيان Edna O’Brien وهي أشهر روائية ايرلندية معاصرة ، فتدخل في روايتها الأخيرة “غروب إيرلندي”، إلى موضوع حميم هو علاقة البطلة بأمّها التي تحيط بها خلافات عميقة. ويقول النقاد إن الرواية تتضمن شذرات من السيرة الذاتية للمؤلفة، فأم الروائية هي امرأة ريفية فقيرة جدا هاجرت من بلدها إيرلندا إلى الولايات المتحدة الأميركية لتعمل خادمة كغيرها من كثير من الفتيات الأيرلنديات. وتقول المؤلفة إن علاقتها مع امها لم تكن حبا كله ولم تكن أيضا علاقة عداء وكراهية، وانما كما تصفها كانت “علاقة مليئة بالتناقضات” على حد تعبيرها، وقد تلقت البنت على امتداد أعوام آلاف الرسائل من امها وهي تعترف بأن تلك الرسائل هزت كيانها وخلخلت توازنها وتدفعها إلى التفكير في الأسلوب الواجب اتباعه في حياتها، فعلى سبيل المثال كانت أمها توصيها في رسائلها قائلة: “اهتمي كثيرا بالجانب الروحي قبل أي شيء آخر”، وتقول المؤلفة إن أمها لم تتقبل أن تصبح كاتبة في حين تعترف بأن لها فضلا عليها يتمثّل في إصرارها على اثراء ثقافتها رغم أن المؤلفة تؤكد بأنها لم تجد ولو كتابا واحدا في بيت أهلها، وكل هذه التفاصيل عرفت المؤلفة كيف توظفها في رواية شيقة.
والمؤلّفة (80 عاما) هي في الأصل صيدلانية وكتبت قرابة الثلاثين رواية، وهي تعترف ان جو القرية التي عاشت فيها طفولتها هو الذي غذى خيالها من خلال كل الحكايات التي استمعت إليها من القرويين حولها، وتتذكر المؤلفة ان الجرح الذي لم يلتئم بعد في أعماقها ووجدانها انها ومنذ كانت طفلة فإنها أحست انها لم تكن محبوبة حتّى من معلّمتها.
والرّواية “غروب ايرلندي” أثارت ضجة مثل كل مؤلفات “إدنا”، لأنها تعري فيها أسرار أمها وحياتها الخاصة، ويظهر من خلال احداث الرواية انه كلّما تقدّم العمر بهذه المرأة تزداد حيرتها الوجودية وعوض أن يتعمق إيمانها، فالعكس هو الذي حصل، إذ أنّ حيرتها الوجودية تفاقمت مع تقدمها مع العمر، رغم أنها كانت في شبابها امرأة تقية وورعة وشديدة الإيمان.
لقد تعرضت الروائية إدنا اوربيان كثيرا خلال مسيرتها الإنسانية والأدبية إلى الشتيمة والهجاء والإبعاد والتجريح، وهي تعلل ذلك بقولها: “إنّ الأدب خطير”.