السبت 25 ابريل 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

ها هو الكاتب جالس للبياض

ها هو الكاتب جالس للبياض
26 يناير 2012
يجلس كاتب للبياض، لحضرة البياض، يجلس كاتب على بياضٍ، يجلس أمام الورقة البيضاء، على الطاولة البيضاء، في الغرفة البيضاء، في العالم الأبيض. يجلس كاتب للبياض ويكتب... لم يكن البياض له، كان للكل إلا له، كان كل شيء في البياض إلا أشياؤه، وكانت الورقة سوداء والطاولة والعالم أضيق من اتساع السواد. كان العالم ألماً مثقوباً، ضيقاً صلداً. كان العالم فناء متتاليا، تتاليا لاهيا. لهو فارغ ولكن الكاتب يأتي، فجأة يأتي، يأتي من مجرة السواد (حيث الأسود هو لون العموم) مندفعاً، لا يعرف كيف تراكمت فيه هذه الحرارة، حقاً كانت حواسه تجرشُ الوقت، حقاً كانت دودة مخه تقرض انعكاسات الحواس. حقا كانت تتلاطمه الانعكاسات إلا أنه الآن مندفع يأتي كثور كوني هائج، كعاصفة من ماءٍ، كبركان كلامٍ، كزلزلة تتلظى. صور يأتي، لينشدغ هنا على الصفحة، في السطرِ، حول سطح الطاولة، في هذا الموقع من الغرفة، في هذه اللحظة من روحه، عند انعقاد هذه النقطة الكبرى من لقاء زمانه بمكان الأكوان. يأتي الكاتب تجلسُ العاصفة على تراب الصفحة وينجلي بياضها لينهمر سواده الأشقر. سواد مكتظ كان في رأس القلم، وها هو رأس القلم يشتعل بروقاً. يجلسُ الكاتب للورقة البيضاء. كان وهو ملتهباً يجري في شوارع العالم المدلهمة ونفسه والآخرين. كانت وبهدوء القتلة تشتعل في داخله شرارة العبارة الأولى، مفتاح الفراغ الوحيد، فراغه اللغوي (أليس هناك فراغ لغوي؟)، و بجَيَشان الموج حين ينكسر انكسار الجيّاش على الرمل الخاوي يكتب جملته هذه. جملة انطلاق الإشراق. باب الإشراق وهو يُفتح عن مواربة رُبطت بين الكلمات ولا تراها الآلة الكاتبة، تخرج من فوهة اليد وتطير في السطر كغمامة حركات لا يفهمها النحو، وهي نحو الروع. وما أن تطيرُ هذه الجملة حتى ينفتح البياضُ على الصفحة ويشتدُ. وما أن يشتد البياض على الصفحة حتى يشتد السواد في الكاتب، وما أن يشتد السواد حتى يتدفق ضوءاً ذلك القنديل المعتم المعلّق كالنسغ في البلعوم المقطوعة به الكلمات. لقد خدش الصفحة فتلظى بياضها الكامن في الجسد المدعو لحفلة الولع الحسي المتطرف، ولقد خدش سواده الأعماق فتدفق عبر انقباض اليد، وتفتح رحم رأس القلم عن دمه الكبير الأسود، دمه الرائي الذي يتلقى أشد الظلال تشابكاً فيفصل بينها ويتلقى أشد الأضواء وضوحاً فتغمض كالماس من الزبد الياقوتي، تغمضُ على موجه الهادر. دمٌ أعمى إن الكاتب الآن وهو يجلس إلى هذه الورقة، على هذه الطاولة، في هذه الغرفة، بين هذا العالم يتمزقه شعوران متضادان: العالم كله الآن بين يديه الحافلتين بحضور العالم بين يديه، ودمه يرى كل شيء في العالم، حين دمه يترنح أعمى ولا يرى أي شيء، والعالم ملكه الآن. هو الملك الإمبراطور الطاغية على العالم، إذ العالم مجرى يتدفق سلسبيلاً بين ضلوعه، وها هي الرائحة مؤرخة على الورق وجارية كما لم تجرِ سحابة من قبل. كل شيء فيه، جبال الكون وأمواجه، نساؤه الفقاعات وغلمانه ذوو الجصّ الأملس، رماله المتناثرة كسديم منطو انطواء أفعى في بئر ميت وبحاره المختلجة على شفاه الخلجان. كل الكون عارم في داخله، عارم ومتمظهر، كلمات حية تمشي على الورق وتصعد أغصان الكلمات وتلعبُ بورق الفواصل، كلمات حية تترك باب النقاط مفتوحاً وتخرج كي تمشي في غابة الرأس، تحمل قنديلاً في غابة الرأس، تمشي على أعشاب النفس اليابسة، ترى عيون حيوانات اللاوعي المفتوحة. تلقي ضوءاً على ماء الحياة الملقى في بئر الجسد القصوى. ثم أن الكاتب وفي الآن نفسه - وذلك هو الشعور الآخر منعزل كلياً عن العالم. حتى تفاصيل الغرفة لا يراها، ولو وقعت كارثة تحت إبطه لما سمع عنها. يختفي هو في دهاليز الورقة المتواصلة أوراقاً، والجمل المتلاحقة سعيراً. وتختفي الورقة (أليس الخفاء هو البياض الكلي)، ويختفي السبب والنتيجة. والوسيلة والهدف. وتختفي الطاولة (تغرق في محيطه الجانح إلى جزيرة لذة) وتختفي الغرفة. والعالم والكون. تختفي الشمس ويختفي القمر. والمد والجزر. تختفي الأصوات والروائح. والملامس والطعوم. تختفي الحواس. يموت كل شيء ليولد العالم طفلاً على يديه، وهو القابلة الكونية وقتئذ. يولد العالم طفلاً ويحبو على الورق. طازجاً وغنياً بجمرة الشفق، وبالأغساق المشجرة أصواتاً من عصافير شيقة. ها هو الكاتب جالس إلى البياض. متحقق في وجوده وهو الذي لا وجود له، لأن التحقق عدم. التحقق اختفاء في التحقق، غياب فيه. التحقق اندساس، انحباس في موت منظم، جريان تحت صخر الهواء. وها هو الكاتب جالس إلى البياض مهمل من كل العالم مفرود ومنفرد معزول ومنعزل أجرب وطبيب، وهو في الحال نفسه متلهب بكل ما لم يخطر على الكلِ بتلك الشاردة في المقيد بذلك الحر في العبد بذلك الحي في الميت بذلك الذي تنساه الطبيعة وهو تتكرر في الألوان؟ فمن أين؟ من أين أيها الكاتب تجلب احتراف الأخاديد، شدة احتراف الأخاديد هذه؟ من أين؟ ويا ترى لم هذا الكاتب، هذا الفرد، وحده المؤهل بذات مفتوحة المهاوي، ودون جمع البشر ساعين سعي النمل إلى المصلحة القصيرة النفس، وتشققات كبرى تنسجم دون شفاء. لقد لاك كل من فكر بمسطرة العقل هذه الأسئلة وتقصد وضع الأجوبة من كثر ما كان الرعب قادراً على فصم الأجساد، ولكن الهوة المندلعة من اجتراع الكاتب للسماوات العابرة تبقى عصية على كل فهم يدور حول كرسي القناعة، وستبقى الهوة متفاقمة في عتمة الوجود، ولا يُشجع من تُصادف - هذا التصادف المستمر - وقوع أبصارهم على الطبقات الجحيمية السفلى، لا تُشجع إلا فلاحة المختلجين الكبار، أولئك ذوو العاهات الروحية، المجسدون للبياض من كل ذلك الألم الإلهي، الجالسون إلى الطاولة جلوس الرهبان، المشتعلون مع الكلمات كالقش والمتدحرجون مع الجُمل كالأمواج والعابرون كسُحب المرآة. مهاوي الكتابة لنقل ذلك مرة أخرى، بلغة أخرى: يجلسُ كاتب للبياض. تنطلقُ في رأسه العبارة الأولى / المفتاح. يكتب هذه الجملة... لقد خدش بياض الصفحة، بأي حال هو الآن؟ لا أدري، ولكنه أحياناً يجلس على هذا الكرسي وهو بشعورين متضادين، ففي الآن نفسه يشعر أنه يمتلك العالم تماماً وهو كذلك المنتزع منه كل هذا الـمُلك. هو المتحقق في وجوده وهو الوجود الهارب من تحققه أيضاً، هو هنا الوحيد المهمل من العالم كشجر عاقرٍِ وهو أيضاً الكل الملتهب باحتشاده؟ يا ترى من أين يجلب الكاتب احتراف الأخاديد هذا، كل هذا الاحتراق؟ ولم هذا الفرد بالذات مفتوحة مهاويه دون البشر الساعين سعي النمل إلى مصالحهم الصغيرة وبتشققات منسجمة، لم الكاتب فقط ليس منسجماً وليس مهيئاً للانسجام؟ لقد لاك النفسانيون والمفكرون لهذا السؤال أجوبة شتى.. ولكن الهوة على ما يبدو ستبقى عصية على الفهم التام، وستبقى مندلعة في عتمة الوجود لا يرتعب من تصادف - هذا التصادف المستمر - وقوع نظرهم عليها إلا المختلجون وذوو العاهات الروحية. باندلاع هذه الهوة يبدأ الكاتب في إيقاظ لغته الراقدة في جوفه، يوقظها بحنان المتألم وشهوة الجائع وثقة الطائش ولوعة المحروم وهيجان المكبوت ودقة الحكيم وبرودة الموت ووحشة المنفصل وذوبان الشمعة. لغته أناه وقد انفتحت على كونه الداخلي لترى هذا الكون وكأنها تراه للمرة الأولى، وكأنه المولود للتو. تُدهش، تتلذذ، تحترق بهذا الوصال، تنوب إلى محبوبها كما ينوب الأب عند الحلاج إلى ابنته التي ولدته. ومن هذه النافذة تُحدق أناه وعبر اللغة فترى كونها الداخلي ما هو إلا شجرة على طريق شاذ، أو جزيرة مُلقاة في بحر، أو خليج منسدح على ساحل نافر، أو طير ضاع عن شجرة آمنة، أو نهر جففه برق، أو امرأة في قروف خالية تعبر بذرة، أو سفينة تحطمت على كف طفل.. أو.. أو. إن وحدة الوجود تتجلى لهذه الأنا هنا والآن من تجلي وحدتها لها، لقد كانت قبل الجلوس إلى البياض تتلاطم في جسد يعاني الموات، وها هو الجسد يختفي بحيواته، يختفي من نقطته المركزية، من سُرَّته، حيث يلتقي الروحي الذي كان تائهاً، خافياً، سرياً بالحسِّي الذي كلَّ من جفافه، كلّ من انتظار من يُشعله، من يداعب تشهيه ويستنفر طاقاته. الجسد لغة الله التي لا تقرأ إلا بكتابة قصوى خارقة، مخترقة، صاعقة وكثيفة للغتنا، وبين اللغة النائمة في جدران صدورنا وجسدنا المجفف بالحرقان مسافة لا يقطع حيزها الدائري إلا فرجار “الوجود المشروع”، وإما أن يلتهب إصبعك من جلدٍ قرفٍ، لامرأة، وإما أن تُوقظ هذه اللغة العطشى بشهوة المتناثر، على الأقل حتى لا تنسى، إن لك جسداً يجمعك. a.thani@live.com
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©