الجمعة 24 ابريل 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

هي في اللغة..

هي في اللغة..
27 سبتمبر 2012
محمد نجيم صدر قبل أيام قليلة، الكتاب الجديد للباحث كمال الساقي: “التأنيث في اللغة العربية من منظور لساني مقارن”، وذلك عن دار توبقال في الدار البيضاء ويقع في 244 صفحة من الحجم المتوسط. ويأتي هذا العمل، ملازما بشكل مواز، للتطور الهائل الذي يشهده حقل التنظير اللّساني في الفترة الأخيرة، ومصاحبا للفرضية الأساس التي مفادها أن “اللغات البشرية تحكمها مبادئ كلية يمكن أن تتغير عن طريق الوسائط”. وهذه الفرضية ـ بحسب الكاتب في توطئة الكتاب ـ “من شأنها أن تسهم في تأطير الموضوع وحصره، بتناول سمة التأنيث أو مقولة الجنس تناولا كليا عبر سائر اللغات التي تحقق فيها هذه المقولة وتتنوع بتنوع نظام الجنس القائم فيها، مثل عدد كبير من اللغات الأسترالية الأصلية، واللغات الدرافيدية، واللغات الأفرو ـ آسيوية، واللغات الهندو ـ أوروبية، واللغات القوقازية الشمالية، ناهيك عن الدوارج واللّهجات. وبالمقابل، تفتقر لغات أخرى، لا تملك هذه المقولة، إلى أي نظام جنس نحوي بالمرة، مثل اللغات الألطية، واللغات النمساوية، واللغات الصينية ـ التبتية، واللغات الأورالية، حيث لا نشك في توظيفها لوسائل أخرى قد تغني بها نسقها الصرفي غير مقولة الجنس، أو ربما يكون هذا النوع من اللغات العارية من التأنيث مبينا على مبدأ الاقتصاد بدرجات عالية، بدليل أنها تستعمل وسائل محدودة في التعبير عن صرفها”. وككل لغة جنسية، يقول المؤلف تنزح اللغة العربية إلى التعبير بوسائل شتى عن صورة نظامها الجنسي الذي يقف تناوله النحوي أمام الباب المسدود؛ لأنه بالوصف والتقرير فقط لا يرتقي إلى مستوى الكفاية التفسيرية. وفي نفس السياق، نشير إلى أن التناول اللساني لهذه الظاهرة اللغوية، في مستوى وجاهي يضمن نسقيتها، هو الكفيل بفضل مشكل التأنيث الحاضر في الوجائه وجيه صرف ـ تركيبية، ووجيهة صرف ـ دلالية، ثم وجيهة صرف ـ فونولوجية). لذلك يقول مؤلف الكتاب “سنسعى، في هذا العمل، إلى ملامسة جميع هذه المستويات الوجيهية التي تتقاطع فيها سمة التأنيث أو الجنس مع مجالات أخرى (تحديدا ما يتعلق بالمستويات التمثيلية النحوية مثل الصرف، والتركيب، والدلالة، إلى غير ذلك)، حتى لا يخال البعض أن هناك تداخلا غير مضبوط بين هاته المستويات، خصوصا أمام غنى النظريات ووفرتها. وقد ذكرنا ذلك لأنه من المفيد أن نجعل المتلقي يسوغ هذا الفصل، بين المستويات النحوية، وهذا الانتقال التدريجي، من مستوى إلى آخر ومن نظرية إلى أخرى”. الأسماء والصفات في الفصل الأول، يعالج المؤلف مختلف القضايا والإشكالات المرتبطة بتأنيث الأسماء والصفات (لا الأفعال والحروف) في اللغة العربية، بين التصور والنحوي التقليدي والتصور اللساني الحديث، بصفة عامة، وجل التفاصيل التي وردت بخصوص تصريف نظام الجنس العربي، مقارنة بلغات جنسية أخرى، بصفة خاصة. حيث يسجل، في البداية، شبه غياب لتصور نسقي واضح لمفهوم التأنيث، سواء عند اللغويين (أو المعجميين)، الذين أسهبوا في جمع وتدوين الألفاظ المذكرة والمؤنثة في لوائح طويلة (والصيغ الصرفية كذلك) في غير نظام مضبوط، أو نحاة العرب المعنيين بقوانين الملكة اللغوية الذين اكتفوا بالوصف والتقرير (لا أقل ولا أكثر)؛ وذلك باعتماد مفهوم التقابل بين المذكر والمؤنث، أو اللجوء إلى الاصطلاح بالوضع. فأغلبهم ـ برأي المؤلف ـ ربط تصريف نظام الجنس بالحيوية في الدلالة، والبعض الآخر عزاه إلى الصرف باللواصق. إلى جانب تصورات أخرى أكثر مقبولية مختلفة كليا عن الأولى. في حين، يقارب المؤلف مسألة التأنيث نسقيا في شموليتها، كسمة ملازمة في الاسم والصفة، مع نظرية الصرف العروضي لمكارتي وبرينس McCarthy and Prince في أحيان كثيرة؛ وذلك عن طريق جرد أنماطها وتبسيط صورتها وتحديد موقعها داخل المعجم، كسمة صرف ـ تركيبية (وقبل ذلك، سيقف المؤلف على أهم النظريات الكبرى لسمة الجنس في الدلالة). وموازاة مع ذلك، يميز في هذا الباب بين ما أسماه “بالتأنيث اللاإلصاقي، حيث لا حاجة إلى اللواصق الصرفية، وما ألفناه تأنيثا إلصاقيا، ويكون بالتاء والألف بنوعيها (المقصورة والممدودة)، غير متجاوزين ما يدعوه بالتأنيث السياقي أو تأنيث الصفة الذي غالبا ما نعثر عليه في السياق، استنادا إلى العديد من المعطيات العربية والروائز. وبناء عليه، نقدم في هذا الكتاب نمطية لتمظهرات سمة التأنيث في العربية المعيار، مقارنة بلغات طبيعية أخرى، كالتالي: ـ تأنيت معجمي يكون إلصاقيا أو لاإلصاقيا: يقول المؤلف “نقصد به التأنيث الذي لا نحصل عليه بتطبيق قاعدة نحوية؛ أي التأنيث الخاضع للاتفاق والتعلم. فـ(حائط)، على سبيل التمثيل لا الحصر، مذكر، بينما (دار) مؤنت. وبالطبع، فهذا التأنيث ليس إلصاقيا. يبقى النوع الثاني من التأنيث المعجمي، المتعلق بخاصية الإلصاقية مثل (ناقة)، و(نعجة)، و(جارية)، وغيرها، الذي اعتبر كذلك أي معجميا لاستحالة اشتقاق (ناقة)، و(نعجة)، و(جارية) من (ناقة)، و(نعج)، و(جاري) على الرغم من وجود اللواصق. وهنا يشترط في اللواصق عدم الدلالة على التأنيث حتى يبرز الإلصاق في التأنيث المعجمي. باختصار، ما لا يخضع لقاعدة أو مبدأ، يوضع في المعجم ويتعلم. تأنيث صرفي (يكون دائما إلصاقيا): هو ما كان بالضرورة إلصاقيا واشتقاقيا (فأرة) من (فأر)، (ولادة) من (ولادة)، و(حمراء) من (احمر) وكانت اللاصقة فيه حتما حيث التاء هنا ليست مصنفة؛ لأنها لا تنقلنا من طبقة أو صنف مقولي إلى آخر، ولكن من ذكر إلى أنثى، وهو ما لا يحصل عند إلصاق التاء بـ(ضرب)؛ يعني هذا أن التأنيث في (ضربة) (حيث التاء المصنفة أو تاء التصنيف) ليس صرفيا، وإنما هو تأنيث معجمي بالإلصاق. كما لا يكون التأنيث الصرفي أبدا لاإلصاقيا. ـ تأنيث سياقي (إذ لا يمكن تجاهله، سواء بإلصاق أو بدونه): نقصد به التأنيث التركيبي؛ أي انه يحدث سمة التأنيث في السياق التركيبي. كما يمكن أن نعتبره تأنيثا نحويا؛ لأنه خاص بالتطابق بين الفعل (سقطت/ جاءت) والفاعل (الورقة/ ولادة)؛ بغض النظر عن التقسيم أحيائي أحيائي/ لاأحياي. ونشير هنا، من باب الإفادة، إلى أن التأنيث النحوي يكون مصاحبا للتأنيث المعجمي أو التانيث الصرفي بدليل قولنا مثلا (سقطت الدار/ الهرة) وليس (سقط)؛ يعني أن لفظة (الدار) فيها تأنيث معجمي وتأنيث نحوي (أي سياقي) أيضا. أما لفظة (الهرة)، ففيها تأنيث صرفي وآخر نحوي كذلك. ـ تأنيث بالصيغة (يكون في الصفات، مع أو بدون إلصاق): هو تصنيف قائم على أساس الصيغة فقط (ولا أقل ولا أكثر)؛ إذ يمكن أن يدخل هذا التأنيث في خانة التأنيث الصرفي، باعتبار الإلصاق والاشتقاق (حمراء/ أحمر، عوراء/ أعور)، وقد يكون معجميا في غياب الإلصاق (امرأة)، (عانس)، (جريح)، (مفراح)... أنماط وتصنيفات يقول المؤلف “هنا هذه الأنماط المصنفة لتمظهرات سمة التأنيث الصرف ـ تركيبية لكي نبرر طبيعة التصنيف (إلصاقي/ لاإلصاقي) الذي سنتبعه لاحقا، وآثرنا أن نشير إليها هنا كذلك للبعد عن كل خلط أو لبس قد ينتج عن سوء فهم في الفصول القادمة كما أن الطابع إلصاقي/ لاإلصاقي للتاء يبقى مرتبطا بالتحليل وبمستوى الإلصاق: أهو المعجم، أو التركيب، أو الصرف ـ صواتة. ثم نولي، فيما بعد، اهتماما خاصا بالتأنيث في الصيغ الذي سنسعى في تصنيفه مرحليا إلى حين دراسة لاحقة (وردت في الفصل الثالث). وغير خاف علينا أيضا ما للدراسات الاستشراقية من تأثير على نحو لغتنا المعيار، لذلك سنقصد إلى البحث في طبيعة وإنتاجية لواصق التأنيث من هذا المنظور، اعتمادا على آراء باحثين امثال: بروكلمان Brockelmann، وفليش (1961، 1968 و1979) Fleisch ورايت (1974) Wright، وكرلوتش (1962) K rylowicz، وغيرهم، دون أن نتجاهل أعمال بعض البنيويين أمثال (1921) Sapir ومارتني (1956) Martinet ولاينز (1968) Lyons، إلى جانب أعمال عدد كبير من اللسانيين الذين بحثوا في الموضوع واشتغلوا عليه. كما نجسد بعد ذلك خصائص التأنيث الصرفية، كالإلصاقية وعدم الاستقطابية، فضلا عن خصائص أخرى دلالية.إلى جانب ذلك نخصص جزءا ليس باليسير لدراسة التانيث في الأسماء في علاقته بالمنع من الصرف، مركزين في ذلك على تحديد مفهوم المنع الصرفي (كظاهرة تكاد تكون شاذة بالنسبة للغات التواصل اليومي أو الفعلي، وقلما يعتني بها المتكلم أو المستعمل الحديث) وطبيعة علله، بشكل عام، وعلة التأنيث، بشكل خاص، دون أن ننسى البحث في لواصق التأنيث المانعة من الصرف. ومقابل ذلك نروم إلى دراسة ظاهرة التأنيث في علاقتها ببعض السيرورات التصريفية التي ترتبط بالأسماء والصفات، كالتصغير، والجمع بأنواعه، مركزين على كل ما يمكن أن يجمعهما من خصائص ودلالات معينة، كما نرصد بعض سلوكات تأنيث العدد (والصور أحيانا)، بالنظر إلى معدوده، وما تخلقه من إلتباس عند متكلم اللغة الأصيل. ثم نحدد، فيما بعد، نوع العلاقة التي تربط بين لواصق التأنيث التصريفية ولاحقة النسب الاشتقاقية، استنادا إلى العديد من الأمثلة والشواهد النحوية. وفي آخر هذا الفصل، نبين حاجة اللغات التوليدية إلى تصور شمولي لنسق التأنيث، نحدد معالمه في عدد من قراءات تصريف نظام الجنس الذي يتنوع ويختلف من إطار ثنائي، إلى ثلاثي، فمتعدد، ونمهد لدراسة التأنيث في نسق الفعل العربي، كما هو الحال في الحروف الذي نعده فيها إلصاقيا (أي لفظيا) لا معنويا”. الترميز والتطبيق في حين، انكب الفصل الثاني على دراسة كيفية ترميز الجنس داخل التطبيق (مع الفعل العربي خصوصا)، في إطار مقاربة صرف ـ تركيبية تعنى بمعالجة اللواصق وهندسة السمات في النحو. وفي هذا السياق، سنحدد آليات جهاز هالي ومرنتز (1993) Halle and Marantz المتمثل في نظرية الصرف الموزع التي سنشتغل عليها، ليس في سبيل الدفاع عن استقلالية الصرف عن باقي مكونات النحو الأخرى، وغنما لإقامة أو بناء افتراضات مبدئية تهم سمة الجنس إزاء جدع الفعل العربي في علاقة مع باقي السمات الإحالية الأخرى (الشخص والعدد)، استنادا إلى أعمال بارزة في هذا الباب (أنظر عمل نوير (1992 و1997 و1998) Noyer، وهارلي ونوير (1999) Harler and Noyer، وهالي ومرنتز (1993) Halle and Marantz، وهالي (1997)، ومونتز (1997)، والفاسي الفهري ( 1995، 1996، و1998)، من بين آخرين. وقد كان من أهم هذه الافتراضات التي سندافع عنها: ( أ) أن سمة التأنيث أو الجنس، كسمة صرف ـ تركيبية، تتم موضعتها في التركيب (كما عند الفاسي الفهري (1998)، وليس في الصرف (كما عند هالي ومرنتز (1993) وهالي (1997)، و(ب) أن المواقع الصرفية محددة في اثنين لا أكثر؛ إذ الموقع الأول هو موقع سمة الشخص يختلف باختلاف زمن و/ أو وجه الفعل. والموقع الثاني هو موقع سمة العدد والجنس، حيث يتسم بالثبوت وعدم التغير. ثم (ج) أن سمة التأنيث لا تستقر في موقع صرفي واحد، بل تتقل عبر المواقع بحكم شروط التسويغ. وموازاة مع ما افترضنا أعلاه، نعالج توزيع صرفيات التأنيث في تصريفات الأفعال، ماضية كانت أو مضارعة، ومسألة تراتب السمات هرميا التي يمكن اشتقاقها من الهندية الشجرية للسمات. كما نتفحص قضية موقعة سمة التأنيث في التركيب رفقة باقي السمات، قبل انتقالها إلى الصرف لتحقيقها أو تعديلها. وفي الأخير، سنسعى إلى إيجاد تخصيص ملائم للوحدات المفردية (بما فيها لواصق التأنيث) لتهجية السمات الصرف ـ تركيبية لمختلف الأنماط الفعلية المألوفة (المضارع، والماضي، والأمر)، بغية تحقيقها صواتيا، دون إهمال مبدأي التخصيص واللاحشو المسؤولين عن آثار اللاشطر. ويبقى الفصل الثالث والأخير الذي تطرق فيه الباحث لمشكل التأنيث في الصيغ، بعيدا عن التطابق والمشاكل التي يخلقها في مستوى الوجائه. حيث، سيُعرف بمفهوم الصيغة في الدرس التقليدي عموما وفي الأطر النظرية اللسانية تحديدا، كما سيبحث في أنماط ومراتب الدلالة في الصيغ على اختلافها، بما فيها الدلالة اللفظية ، والدلالة الصناعية، والدلالة المعنوية. بعد ذلك، سيعمل الباحث في إطار شمولي مقارن في تأنيث صيغ المصدر وحشويتها، مفصلين في المسألة ومؤكدا على الدور الوظيفي للاصقة التأنيث إزاء الصيغ المصدرية. كما سيستند إلى إطار نظري، أساسه ـ حسب المؤلف ـ “تفاعل القيود، في الكشف عن مختلف العلائق والقيود التي تربطه بالتأنيث الإلصاقي تحديا. إلى جانب تجسيد التوزيع اللاتكاملي القائم بين سيرورة النسب ولاحقة التأنيث التاء، إزاء الجذع المعجمي في النسق العربي”. تم نشر هذا الكتاب القيم ضمن سلسلة “المعرفة السانية”، وصمم غلافه الفنان جاسبر جونز.
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©