من جديد تبتعد وتتمنع، أترجاها فتجفو، أستنجدها فتأبى. تخبرني إما أن تكون برغبتها وإلا فلا! إما أن أكون كما تبتغي لا كما أبتغي ويبتغون، أن تكون بما يناسب الحال وإلا فلا. إما أن تكون بما يملأ قلبي من شعور وإلا فلا. أخبرها بأنها قد تتغير أشياء وأن جدواها الحقيقية في التغيير والتأثير لا في الأسى، تستهزئ بي وتدير لي ظهرها.
كعادتها «الكتابةُ» عندما أعاندها وأكتب في غير ما أعيش، ترفض الانصياعَ لرغبتي، استجديتها بلا فائدة. طالما مارست عنادها المعروف الذي أدرك قوته وعجزي الأبدي أمامه منذ أن عرفت كيف أرسم بالقلم مشاعري. ترفض استدعائي اللحوح، تستخف باستجداءاتي ولا تقبل رجائي. تخبرني بهدوء أنها تشبهني، فرغم رغبتها في الحضور فإنها تريد ذلك على طريقتها، وبشروطها، وعلي أن أحترمها بمشاعري وليس لدواعي مشاعرهم، ستأتي إن تأكدت أني سأظل أطلبها بمشاعري لا بعقلي، حتى لو أيقنت بأنها لن تأتي. حدثتني أنها ليست كما أعتقد، ليست طوع يدي، ولستُ متمكنة منها إلا بحقيقة مشاعري، لأنها ببساطة هي من تكتبني. وأنها مخلوق فقط لتضع ما أشعر به حقيقةً في نطاقه الحي.
يحدث ذلك معي رغم كل السنوات التي كتبت فيها، بعد أن ملأت كل أوراق «دفاتر الإنشاء» التي لم ألتزم فيها يوماً بطلب معلمة لا بموضوع ولا بعدد كلمات، وبعد أن ملأت صفحات مفكرتي الرمادية، وبعد أن راسلت صحفاً ومجلات، وبعد أن أصبح لي مساحتي الخاصة في صحيفة وصفحتي الخاصة في مجلة، بعد كل هذا العمر ما زالت تلك الكتابة هي المسيطرة، هي الفاعل، مهما اعتقدت غير ذلك. وعلي أن أبقى وفية لمشاعري، وأقدم قرابين الصدق لها.. حتى تعود.