- قال الممثلُ: أنا بشرٌ كثيرون. وجهي قناعُ، وجسدي رهين الستائر الحمراء، وخطوتي حرّة في العلبة المغلقة. عندما يصفق المتفرجون أنحني، وعندما يرشقونني بهتافات الذم والسخرية، أدرك أن ذاتي يمكن لها أن تتشظى كما تريد، فقد ألعب اليوم دور القاتل حاملاً السكين وملطخاً ثوبي بدم القتيل، وقد ألعب غداً دور الضحية مغدورٌ بها وهي تئنُّ من طعنة الغدر، وما من شهمٍ بين الجمهور يقفزُ لإنقاذها. قلت له: أنت عملةٌ بألف وجه، ثم جررته من شعره وأوقفته في السوق كي يفهم الناسُ أن الحقيقة على المسرح هي غيرها في الواقع اليومي، ولم يمض وقتٌ إلا وتجمهر الباعة يعرضون قمصانهم عليه ليرتديها، وجاء نجّارون بيدهم مفاتيح منسية وقلدوه بها، وشيئاً فشيئاً انتقلت الفرجة من كونها ترفاً للعقل، إلى سؤال يضجُّ به: من نحنُ في الأصل؟، وصرخت امرأة خرساء: لو مات الممثل، من سيصعد خشبة الوهم ويسد الفراغ الذي في العقول الحائرة؟، نعم، هكذا بدأت الدائرة المرسومة على الأرض تتحول إلى فقاعة ينفخُ عليها النافخون كي ترتفع على شكل قمر، وهكذا بدأت الكلماتُ تقفزُ من القواميس المفتوحة وتصير فراشات تحترق سريعاً تحت شمس الوضوح.
- قالت المذيعة: أبثُّ الأبيض والأسود وأعيدُ تلميع السراب في أعين العطشى، وما أقوله يتبدّل ويتبخّر سريعاً في دورة النسيان. قلتُ لها: ما أقسى أن تظلي العمر كله تغرفُين من ماء الوهم، وفي كل مرة تعود يداك خاويتين. أنا والمذيعة في كل يومٍ وجهاً لوجه، ضحيتان لمن؟.
- قال رجل عاطل عن العمل: في الصباح هم يذهبون إلى الكلام، وأنا أظلُّ ممداً في الصمت. وللتسلية أدلّي ربطة العنق من النافذة فيظنونها مشنقة، أنفخُ في صنبور ماء مثقوب فيحسبونني أعزف الناي، قلت له: البابُ المغلق سجنك الأبدي، اخرج للغابات ودع نسراً جائعاً يحملك إلى قمة جبلٍ أخرس، وهناك فقط ستدرك معنى السقوط في الفراغ.
- قال صائد أسماك يقفُ على النهر: السمكة التي تراوغ الخيط وتظل تلفُّ من حوله، تقعُ فريسة له في النهاية. وقال: المد والجزر توأمان نعم، ولكن أصلهما التيار. قلت له: أنت أيضاً قد تدفعك الريحُ فتسقط في الموجة وقد تبتلعك الدائرة وأنت فيها. وقلت له: تأمل في الأعماق وسوف ترى أنك تصطادُ السمكة الصغيرة، ولكن في الوقت نفسه هناك أيضاً من يصطادك.


