في حُب النخلة، تبدو الحياة مزدهرة بالمعنى، وفي تلافيف المعاني تدور الحكاية، حول رجل وقف في يوم عند تلّة، أمام نخلة تجلّت بعناقيد الفرح، وعانقت السماء، بأجنحة الأخضر اليانع، وغنّت مع الطير، تشدو برائحة الرُّطب، وحصاد الصيف، يغرق الأفئدة ببهجة ترعى في مضارب القلوب، كما هي الجياد الفارهة، وهي تمضي في الدُّنى ريّانة بالهوى، والهوى ذائقة الشهد ينساب من حبّات كأنها الدرُّ في اللجج.
مهرجان العين للرّطب، إنما هو الاحتفاء السنوي بنخلة الرُّطب، واستمرار الاحتفاء، هو وفاء، وانتماء، وانضواء في محفل الشجرة، اقتداء بأثر الباني، والمؤسِّس، زايد الخير، طيّب الله ثراه، وها هم أبناؤه الكرام، على التقليد يمضون بصدق، وحُب، وإخلاص، ويملأون حقيبة التاريخ، ثراءً، وفيضاً من مشاعر إنسانية علمتها الصحراء النبيلة، كيف يكون الحب برّاقاً، عندما تكبر دائرة الإلهام، وتتسع حدقة الولاء لشجرة، في سمتها الخلود، وفي جذعها تسكن رائعة الصمود، وعند عناقيدها، يرتّل الطير، بين الإنسان والنخلة، حيث لهذه الشجرة، ما يليق بإنسان سبره الحب، وسيرته الوفاء، وسرّه مكتوب على الرمال الحمراء، لتقرأه الأجيال، والتاريخ سبورة، على صفحاتها تسجّل يراع العاشقين، والذين في قلوبهم نبرة وترنيمة، وقيثارة الصحراء تدوزن اللحن إماراتياً لا يشبه إلا أهلها.
العين للرُّطب، عنوان لمهمة وطنية وتاريخية، وثقافية، تستمر على مدى التاريخ، في الدندنة، لأجل أن يستمر النغم في الأسماع تخليداً، لذاكرة، مكانها الروح، وصوتها في الأذهان، أسطورة شعب، آمن منذ البدء بأن الحياة كفاح، لا ينفضُّ سامره، ولا يقضّ له مضجع، ولأن للنخلة في الضمير شوارع أفسح من المدى، ولأن للنخلة حكايات، أوسع من السماء، ولأن للنخلة صوتاً داخلياً، يقول للأجيال هنا حفرت الأيدي، وهنا نحتت الأنامل قنوات الحياة، لكي تكبر النخلة، ويبدو العذق سلسال ذهب على نحر الأرض، وعند عنق السماء الزاهية، بنجوم الذين سهروا كي ترتاح النخلة، وتمضي في الحياة أيقونة زمان، وزهرة مكان. نستلهم من عطاء النخلة، دروساً في البذل، وفي السّخاء نستلهم كيف تبقى الجذوع واقفة، رغم ظروف التاريخ، وما يفعله التاريخ من سطور غامضة، وكلمات بوَسْم الموجة العارمة.
واليوم ونحن نتطلع إلى نخلة في البراري، عكفت على قراءة التاريخ، هي مفتوحة العينين نحو السماء، نحو تلك الأيادي التي روت، ومرّرت الأنامل بين خصلات العشب، وتتلو البسملة، وتُحيي الصحراء، وما لها من سبيل، الصرامة في صناعة الوجد البشري، وصياغة مشاعر الناس، على نمط الشّموس الدائرة حول المكان، ترسم صورة الأمل، على جبين الأوفياء.


