العربات الفارغة «إذا كانت العربات الفارغة أكثر ضجيجاً، فمن الضرورة أن يكون هناك قانون ما يحدد مستوى هذا الضجيج» هذه كلمات نطق بها عقل وجودي إبان النظر إلى ما يحدث في المحيط البشري من ظواهر صوتية عقيمة، وسقيمة أصبحت منذ أزمنة قديمة تخدش في جسد الحياة، وتعكر صفو الحقيقة، وتدمي فكرة الإنسان الكامل.
صموئيل بوكيت، أحد أولئك الذين خرجوا من الدنيا بهذه المقولة الحية الضاربة في عمق الحياة، والمعبرة عن رفض قاطع، مانع، شاسع، واسع، للقول إن الإنسانية بمجملها على مدى التاريخ رسمت صورة زاهية للحضارة، بل إن هناك ظواهر ناتئة، وبوحاً يقود صاحبه إلى هاوية سحيقة ماحقة، والنظر إليها يجعل المرء يفكر كثيراً فيما يحدث عندما تكون الأصوات العالية هي المسيطرة على الألباب، وهي تأخذ بكل الأسباب التي تجعل الناس يهرعون دوماً وراء تلك الظواهر، وذلك الهدير، والذي يشق وشائج الروح، ويستعمر القلوب عنوة، وبلا وثيقة كونية حقة تثبت أن للصوت العالي مكانة الحقائق، وأن للأفكار البراقة منزلة النجوم، وأن للنظريات الملونة براعة الحقائق الدامغة.
نحن اليوم، وقد مر على الجنس البشري ملايين السنوات، وقد ذكرت الدراسات والبحوث الأنثروبولوجية أن الإنسان العاقل انطلق من شرق أفريقيا قبل سبعين ألف سنة، متجهاً إلى شمال القارة، ومنها إلى أقصى أوروبا، هذه القرون من الأعوام لم تجد في وضع حد لتهور الإنسان، وسعيه الغاشم إلى تكبيد الآخر خسائر فادحة في المصير، والمسير، لأن هناك أصوات جوهرة إلى حد الفتك في الصمت، ومنه اختراق ساعة الحقيقة، ومنها يتم ضياع المثل وسط زحمة الظواهر الصوتية المقيتة، ووسط الرغاء، والثغاء، وما يتلو ذلك من تعفير للغبار في وجه السلام النفسي للإنسان، وتكسير عظام التطلعات السانحة لبناء علاقة ود بين الإنسان، وحضارته نأياً منه عن هدم ما بنته العقول الصحيحة المعافاة.
عندما يقول المثل الشعبي: «ليس كل ما يلمع ذهباً»، فليس للمعان وثيقة حرة تؤكد أنه الدليل القاطع على صحة ما يحدث عن الإنسان، فهناك أشخاص يعملون بصمت وينجحون، ويحققون المبهرات من المشاريع، وكذلك هناك من الدول ما تسير بخطوات واثقة متأنية في بناء فناء منزلها الاجتماعي، ومن دون شعارات رنانة تصم الآذان، واستطاعت أن تجعل من مكانتها في العالم، ما يخلب اللب، ولو تتبعنا تاريخ بلادنا الإمارات، وقرأنا الرسالة السامية التي خطها زايد الخير، وعلى أثره سارت القيادة الرشيدة بخطوات ثابتة وراسخة، سنجد أن ما تتكئ عليه الإمارات، هو الحلم الزاهي تعززه قواعد وتقاليد وقيم رسخت في الذهنية الإماراتية مفاهيم عجزت عن تحقيقها دول وحضارات كبرى، لماذا؟ لأن الضمير إذا التصق بتراب الأرض ولم يبرحه، استطاع أن يغرف من الطبيعة، ما يدحض كل زائف، وكل رمادي، وهذه سياسة انطلقت منها بلادنا وهي ماضية بحكمة القيادة، وفطنة فرق العمل في مختلف ميادين الحياة، وبالصمت الرزين يتحقق كل ما يكحل العين، بجمال الروح والقلب، والعقل الأمين.


