فجأة وبدون مقدمات، يكتشف «أنطوان» أثناء سيره المعتاد أن هناك أشياء حوله فائضة ولا داعي لوجودها، كحصى في الطريق، أو جذع شجرة، أو كرسي بل وحتى ورقة، وكلما ازداد انتباهه لهذه الأشياء جاءته حالة من الاشمئزاز من اللاجدوى المحيطة به، فالأشياء موجودة بشكل مبالغ فيه، بلا سبب، بلا معنى، فقط «هناك» يعي «أنطوان» بطل رواية «الغثيان» -للفيلسوف والأديب الفرنسي جان بول سارتر- في لحظة تبصر وإدراك، أن كل ما في هذا العالم من أشياء حوله بلا أساس أو تفسير، إلا ما يسبغه بفعله الحر على تلك الأشياء، وأنه وحده من يصنع المعنى عبر اختياراته.
رواية «الغثيان» تعد العمل الأبرز لسارتر، وقد أسس خلالها فلسفته الوجودية المتمحورة حول فكرته بأن الإنسان مشروع مفتوح، يتشكل باستمرار بما يقرره هو لنفسه عبر حياة يكتبها بقراراته. حياة يكتب فيها معنى لكل الأشياء المحيطة به بعد أن ينزع عنها العادية والبداهة، التي تجعلنا نتعامل مع العالم وكأنه أمر مُسلم به. فهذا الكرسي -مثلاً- المهمل في بيت والدي هناك ولم يستخدمه أحد منذ سنوات، ليس مجرد لوح يستند إلى قواعد خشبية، بل هو تاريخ ورمز لحقبة مؤثرة لم أشهدها لحياة عائلتي. هذه الإسقاطات هي ما تصنع المعاني للأشياء.
في عالم آخر يختلف عن عالم «أنطوان» يتمسك بعضهم بهذه البداهة حد الالتصاق، فيتعاملون مع الأشياء كما بدت لهم ولمن توارثوها عنهم، يعبرون عليها من دون أن يرف لهم جفن، ولا حتى كمراقب أو متأمل. وفي هذا إجحاف قاسٍ لكل ما في الوجود المتمثل حولنا. يمكن القول إن قرار انتزاع البداهة هو لحظة الانفصال بين الإنسان وبين العادي حوله، حيث تصبح كل كلمة أو شيء أو فعل بسيط موضوعاً للتأمل والتحليل، ومشروعاً للامتثال، وقتها يصبح الشخص الفاعل مدركاً تماماً وجوده وتأثيره، فينتج فعلاً عبر خطاب أو رسمة أو حتى لحناً يملأ به هذا العالم الفارغ!


