في غرفتين تتوسطهما صالة، نشأتُ قريبةً من أنفاس أمي وأبي وإخوتي، ننهل منهم المعارف والعلوم التي لم يبخلوا علينا بأدق تفاصيلها. كانوا يطلقون على فئتنا العمرية، قبل تجاوز العاشرة، مسميات عديدة: الصغارية، والفريخات أو الفروخ، والبنيات إن خلت المجموعة من الذكور، أو العيال واليراوة، ومسميات أخرى لا يسع المقام لذكرها. في تلك التجمّعات البشرية الصغيرة سنًا، تشكّلت ذاكرتنا الجمعية التراكمية، وهي ذاتها الذاكرة التي نستحضرها كلما التقينا أبناء الفريج في مناسبات الزواج والعزاء، وفي الفعاليات الرسمية والثقافية المختلفة. جميع أبناء ذلك الجيل يذكرون سِيْرَة الدكان، وسعر البرميت في الغرشة ذات الغطاء الأحمر، تلك التي كانت تقف حاجزاً بيننا وبين الكراكيب المغرية، فنقف أمامها مشدوهين، كأننا نشهد هزةً أرضية أو بركاناً صمت قروناً ثم قرر أن يثور بلا إنذار أو تمهيد. ما زلنا نذكر جيداً الألعاب الشعبية والأهازيج التي ترافقها، القصيد والأمثال الشعبية التي لم تقتصر على المسابقات بل كنا نسمعها في كل مكان، والقصص الشعبية التي كنا نستانس عليها على الرغم من سماعها كل يوم؟ وجواباً على سؤال أحد القرّاء - مشكوراً: لماذا العودة إلى الماضي؟، قلت له: لأنني أود أن تتكوّن لدى الجيل الجديد مقوماتٌ تربطهم بعناصر قديمة، وأماكن خلدت سيرة ومسيرة الآباء والأجداد.
الهوية الوطنية ليست - كما يختزلها البعض بسطحية - جذوراً راسخة في تراب الوطن وفروعاً تعانق السماء فحسب، بل هي تركيبة جينية تميّزنا في الحسّ واللمس والتعبير، في الرمسة والأخلاق والملبس. هي ذلك الشعور الذي يجيش في صدورنا حين نعتز، وحين نمثل وطننا، وحين تتحرك الرمال، تظل الهوية صامدةً كمنجمٍ عميق نصهر منه الحديد. وفي عام الأسرة، علينا أن نسعى لصناعة ذاكرة لا ينساها أبناء هذا الجيل، ذاكرةٍ تكافح من أجل الحفاظ على موروث أهلها. كما يتوجب علينا جميعاً إسناد مبادرات الحكومة الاتحادية واستراتيجياتها الهادفة إلى تثقيف الصغارية، وتعزيز قدراتهم على استيعاب الموروث وتحليله وتخزينه في ذاكرتهم. كل هذا يتطلب آليات متعددة، من بينها: زيارة المهرجانات التراثية التي تعكس ذلك الواقع والمتاحة على مدار العام، ثم التعبير عن المشاهدات بالكتابة والرسم، والتفاعل الواعي مع الذكاء الاصطناعي. كما يستدعي تبنّي مشاريع وبحوث مشتركة تقرّب موروث الإمارات من الإرث الحضاري العالمي، وتسّلط الضوء على العناصر المشتركة بيننا وبين دول تعتز بتراثها، كاليابان وكوريا والصين وجمهورية الهند.
وللعارفين أقول، أعجبتني عبارة قالها أحدهم: «أعدوا لهذا الوطن ما استطعتم من الحُب، إيماني بمنظومة العطاء والصبر والمثابرة ستؤتي أُكُلها، ووطننا الغالي يهمس لنا دائماً، أعطوني طموحاً، أعطيكم أمناً وجمالاً».


