لا شيء أجمل من تساقط المطر، خاصة إذا جاء مع هبوب رياح خفيفة، منعشة وهدوء وسكون يعمّ المكان، في تلك اللحظة تبتسم المدينة وتغني وترقص الأشجار على صوت حبات المطر. يسعد الإنسان الصحراوي بتلك الأوقات المبهجة، ومهما ترك المطر من آثار أو بعض الأعطال المعتادة، لا يغضب الصحراوي على المطر، بل تكبر السعادة بذلك اليوم المطير وتتضاعف. إرث طويل وبعيد يسكن هذا الصحراوي، الذي كان أجداده القدامى ينتظرون المطر والغيث على أحر من الجمر، بل إن انقطع عنهم سارعوا إلى الصلاة والدعاء. حب المطر إرث يسكن وجدان الصحراوي منذ الأزل. إنه فرح بالحياة وواهب الخير والرزق. تلك الحقيقة المؤكدة طريق ممتدّ في الثقافة الصحراوية، لا شيء يعادل ويوازي هطول الأمطار، ولا جمال يساوي منظر السماء والمدينة والصحراء والجبال والسهول في لحظات انهمار الأمطار.
 الآن، ربما لم يعُد للمطر أهمية كبيرة في المدن الحديثة، لكن تظل قيمة وأهمية المطر ثابتة عند الإنسان الصحراوي، وتعظم لديه الفرحة به مهما ترك من أثر ضار أحياناً. فكل شيء سوف يعود كما كان وتمضي الحياة، وحده المطر باعث الحياة والجمال والحب والفرح، إن غاب لا يعود إلا بعد مدة طويلة. لي، صديق من شرق آسيا، وقد تعجب كثيراً لفرحتي بالمطر وسعادتي أن المدينة تغتسل الآن بهذا الغيث الجميل. وأنا أجدها لحظات رائعة وسعيدة، وأقول له: «سوف نقطع الطرقات والشوارع والدروب تحت المطر، فقط لمتعة المنظر والمشهد». يعترض صديقي ويتعجب من كل هذا الحب الذي أحمله للمطر. يقول لي: إن المطر يخيفه ويعود به إلى ذاكرة صعبة وحزينة في بلده، حيث كان يشاهد عذابات الناس وتهدم المساكن الفقيرة والتشرد والخراب بسبب هطول الأمطار، ولهذا فهو لا يحب المطر. إنها مفارقات عجيبة وصحيحة بسبب اختلافات الطقس والظروف بين مكان وآخر، بين من يعشق المطر والآخر الذي يخاف من المطر. قطعنا الطريق معاً من المدينة إلى الصحاري والجبال، حتى الوصول إلى قرية حتا، كل شيء والحمد الله زاهٍ ومبهج وصامد أمام الريح والمطر وتغيرات الطبيعة، لا طريق جرفه المطر ولا كهرباء قطعتها الرياح، ولا مسارات أعطبتها تغيرات الظروف الجوية. كانت المدينة والقرية رائعة تحت المطر، أضواء تنير كل مكان ويزداد جمالها وهي تستقبله. استمعنا إلى أغنية جميلة تمتدح الحب والمطر، وانطلقنا مع الريح والزخات المبهجة. قال لي صديقي: هنا، في هذه الأرض وهذه الأماكن أحببت المطر.