قبضت على نفسي وأنا أغمض عيني في محاولة للاختفاء عن من هم حولي، وذلك في موقف شهدته وتمنيت لو أني لم أتواجد فيه!
ليس ذلك ابتكاراً شخصياً، فكثيرون يفعلونها من دون وعي مسبق في المواقف المحرجة والمخيفة، التي يرغبون في الاختفاء فيها عن من هم حولهم. العجيب في الأمر أننا نفعلها ونحن على دراية كاملة بأن الآخرين مازالوا يروننا!
يولّد هذا الفعل العصبي اللاإرادي السكينة والراحة، ورغم أن هذا الشعور يستمر للحظات قصيرة، إلا أنها لحظات كفيلة بإعادة التوازن الداخلي، ولكن كيف يمكن أن تلبي هذه الحاجة للراحة أو السكينة من موقف طفولي كهذا؟
نعم، هو موقف طفولي، فغالباً ما يمارس الصغار هذا الفعل في مواقف معينة، فتجد الصغير يغمض عينيه إذا أراد الاختباء في حالة الخوف مثلاً، وكأنه يقول لنفسه، أنا في مأمن، إذا لم أر الآخرين، فإنهم لن يروني، ورغم أن هذا السلوك عادة ما يكون مدعاة للضحك منا نحن الكبار، إلا أنه يلبي في حقيقته أعمق حاجات الإنسان، وأكثرها استقراراً في وعينا البشري، وهي الحاجة إلى الشعور بالسكينة، والحقيقة أن هذا الشعور ينبع من الإحساس بالأمان الذي لا يشترط المنطق، فالموقف الخطر أو المحرج مازال قائماً، ولكن الشعور به قلَّ نتيجة اغماضة العين، وفي تلك اللحظة اللاإرادية التي تجلب السكينة، نعود فيها إلى مركزنا الداخلي، لمحاولة إدراك ما جرى، والبحث عن فرصة لاستعادة زمام الأمور.
تبدو هذه الوسيلة الدفاعية فاعلة، حين يصبح الواقع محرجاً، بلا منطق واضح، ففي أوقات معينة يأتي فعل إغلاق الحواس فعلاً شجاعاً وخياراً جيداً لمنع الضجيج الخارجي في اختراق دواخلنا، وعلى عكس ما يعتقده بعضهم بأنه فعل جهل أو سذاجة، إلا أنه في حقيقته محاولة بدائية لاستعادة الإحساس بالأمان وسط فوضى يحاول العقل أن يحتملها، وإن حدث ذلك الفعل تصبح السكينة شرارة وعي، لا فخاً للاستسلام، فتتحول من فعل حماية إلى فعل إنتاج وقرار إنساني، به نكمل المسيرة بعد أن نفهم، وندرك ونقرر أن نعيش الواقع من دون أن نفقد أنفسنا داخله.


