نعيش في عالم تحكمه طوال الوقت مفاضلات مرتفعة التكلفة. نظن أن ما نختاره ونشتريه من سلع وخدمات بمقابل مالي هو فقط ما ندفع ثمنه، غير مدركين أننا في علاقاتنا الإنسانية نقدم أثماناً أغلى وتكاليف أشد وطأة. نقدم بعضها في عقود ضمنية نرهن بها الكثير من أنفسنا!
قد تبدو هذه المقاربة للوهلة الأولى غريبة، بل وربما صادمة؛ إذ كيف لنا أن نضع العلاقات الإنسانية بما فيها من مشاعر وقيم وذاكرة، في كفة واحدة مع سلع تستهلك وخدمات تُبلى؟! غير أن السؤال الحقيقي ليس في التشبيه ذاته، بل في الآليات الخفية التي يعمل بها. 
في العلاقات الإنسانية التي نعيشها، يحدث غالباً ما ندخل إليها من بوابة الحاجة؛ نحتاج إلى قبول أو أمان، حب أو استقرار. وغيرها من الحاجات التي في مقابلها قد يحدث كثيراً أن نتنازل لتستمر. وهنا تحدث الكلفة، فبعض ما نود استمراره لا يُجدي في حقيقته؛ كبعض الصداقات القديمة التي نبذل فيها من طاقتنا لحفظ علاقة لم تعد تريحنا، وما ندفعه هنا بصمت هو صدقنا مع ذواتنا. أو كعلاقات الاعتياد، التي نَبقى فيها، ليست لأنها مستقرة، بل لأنها راكدة، لا لون فيها ولا رائحة. وما نخسره فيها بصمت، هو العمر الذي يمضي بلا طعم؛ فتصبح الأيام متشابهة، لنفاجأ بعد حين بأن ما كان مؤقتاً صار هو الحياة.
المؤسف في تلك العلاقات أننا لا ندرك قيمة فاتورتها المرتفعة مبكراً. فالثمن الحقيقي لا نقدمه دفعة واحدة، بل يُستقطع يوماً بعد يوم، من صدقنا مع أنفسنا حين نبتسم بتكلُف، ومن صحتنا عندما تتراجع، ومن قدرتنا على الإصغاء لحاجاتنا الداخلية حين نفقد بوصلتنا.
وإن فعلنا -رغم كل ذلك- وتمكننا من الوعي بمقدار الكلفة المرتفعة، فسنعيد صياغة الأسئلة المناسبة، ليس للهرب من تحملها، بل لتدارك ما بقي. 
ولعل السؤال الأجدر بأن نواجه به أنفسنا هنا هو: أين تقع تلك العتبة الدقيقة في العلاقة، التي إذا ما تجاوزناها، نكون قد سددنا ثمناً يفوق ما يليق بنا.. ثمناً يتناقض مع الحياة التي نرغبها؟!