كانت امرأة من نساء ذلك الوقت، لا أحد يعادلها في هندامها، ولا خلطات عطورها، ولا ذاك الذهب الذي تتحلى وتتجلى به، كانت جسيمة، هكذا كنت أراها حين تتربع في جلستها أو تقعد جانب «مندوسها» الهندي الكبير الذي لا يقربه أحد، هو من ذخيرة سفراتها الأولى إلى «بومبي»، مخدوم من خشب الساج بعناية، ومزين بمسامير نحاسية، ومفتاحه مربوط في طرف شيلتها بعقدتين، فيه الغالي والنفيس، وما تحب أن تهديه للغالين عليها.
كان قدومها من أبوظبي لأم سبع البلادين أو رجوعها من العين للجزيرة، فرحة يعرفها الصغار والكبار، هنا.. وهناك، فهي لا تأتي بخفائف الأشياء، دائماً ما تكون محمّلة بـ «الشفايا» للصغار، و«العطايا» للكبار، أثواب وأقمشة وعطور وعود للنساء، وغتر شال أو وزرة «مدراسية» أو دهن ورد للرجال، دائماً ما كانت محمّلة بالخيرات والشرهات التي تسبق وصولها، كانت بنت كرم وطيبة وسماحة، يميزها ذاك «الشونكي» وعكفته المضمخة بالياس والسدر والحناء والزعفران، وخط المحلب على الصدغين، يغطيهما قَصّة البرقع اللامع المميزة، والشغاب تتدلى مثل قرطين من ذهب ثقيل، والنحر زاهٍ بـ «المرتعشة»، والختم في اليدين و«الفتخ» في أصابع القدمين اللتين لا تفارقهما حمرة وسواد الحناء، كان لحضورها مشهداً بصرياً من الأحلام، تتشارك فيه كل الحواس، لم تكن امرأة عادية، كان الخير يأتيها، وكانت تنثر الخير.
كانت لوحدها، وحضورها الجلي لا يشاركها فيه أحد، لم أتصورها يوماً، ولا أذكر أني رأيتها وبجانبها رجل إلا أخوها الذي فيه من طيبتها، وبعض معارفها، لم أكن أميّز من منهما الأكبر، هو بعقاله الأبيض ولحيته البيضاء ووسامة يغلبها البياض، وهي بذاك التجلي والحضور مثل أمهات الملكات في التاريخ، كان يصعب عليّ أن أرى أحداً يأمر عليها أو يزجرها كامرأة شبيهة بنساء الحارة الطيبات اللاتي يبدأ يومهن من فجر الله حتى قبيل مغيب الشمس دون شكوى، كانت وحدها.. ووحدها مثل سطوة غالبة، ولا تحب أن تنتهي، ولا يبارح غيابها مطرحها.
ما زلت أتذكر أول حذاء جلدي ناعم لونه رمادي متدرج، وأربطة مثل خيوط الغزل، جلبته لي من إحدى سفراتها إلى «شيراز»، يومها كنت فرحاً بأول حذاء، غير الحذاء الكروي القطني الأسود والأبيض الذي يتحمل غبرة ملعب البلدية الرملي الجديد، حتى أتذكر أنه نام معي في السرير، وحين لبسته في الصباح للمدرسة، كنت «متنومس»، يا آه.. كم حسدني يومها طلاب مدرسة «النهيانية» القديمة، حتى أنهم غَبّروه، ووسخوه، ولو خلعوه من رجلي لبكيت، وأنا الذي كنت أتقافز به عن أي وحل أو تربة يمكن أن تغير لمعته، حتى بدوت حينها مثل راقص بالية سمين لن يستمر كثيراً في أدائه الرائع الذي يمكن أن يصفق له، يومها قبّلتها على رأسها، فقد كنت أحب رائحتها الطاغية في المكان، وكانت هي تفرح من قلبها حين يُسعد طفل، لم تستطع أن تنجبه يوماً.


