لم يطرد أفلاطون الشعراء من مدينته الفاضلة، كل ما فعله هو أن ألبسهم إكليلاً من الزهور، وأوصد الأبواب في وجوههم ليهيموا في الأرض بحثاً عن الخيالات والشوارد التي لا تحتكم إلى قوانين العقل. وكان عليه أن يوصد الباب أيضاً في وجوه النحّاتين والفنانين والمهرة والممثلين وغيرهم، فهؤلاء أيضاً شعراء بطريقة أو بأخرى، وما يبدعونه يحمل مسحة من الخيال ولمسة من جمال لا يصل إليها الشخص المهاري إلا إذا تلوث عقله بالشعر. ومن بعد ذلك سنرى كيف لهذه المدينة أن تتطور من غير هؤلاء المبدعين.
لم يكتفِ سقراط بمقولة «اعرف نفسك»، بل ذهب ليتمادى في تفتيت الأحجار الصلبة التي في العقول الجامدة، ولذلك صار يرمي الأسئلة في طرق الذاهبين عمياناً إلى مصيرهم العبثي. وكان السؤال والشك في حقيقة الظواهر وحقيقة ما نراه هو الفضيلة في نظر سقراط، بينما الجمود في الروح والعقل هو الرذيلة التي يجب أن نتخلص منها. وبفعل كهذا، فإن سقراط سيكون شاعراً في قرارة وعيه المنفتح وممارساته، ولذلك تم إعدامه بشرب السم، لأن رجلاً مثل هذا لا تقبله المدن التي تظن أنها فاضلة.
حاول الحسن بن الهيثم أن يجعل المرايا تتحدث، نعم إنها تتحدث بلغة الضوء تماماً كما يحدث لعيوننا عندما تُبصر الأشياء من حولنا، فنظن أن الحقيقة هي ما نراه. وما فعله ابن الهيثم هو أنه ذهب إلى الشك في الحواس التي يمكن أن تُخدع بسهولة. ومن ملاحقاته للضوء ومساراته وانعكاساته على المرايا، حاول أن يكتشف العلاقة بين العالم من حولنا والعقل، أو بين الصورة والحقيقة، أي بين ما نراه وما نعتقد أننا نراه. وهكذا تحولت تلك الأسئلة إلى منهج علمي وشاعري في فن قراءة الوجود.
من بعد أرسطو، صار الاهتمام بالشعر والفن ضرورياً لدى الأمم التي أدركت أن التطور والتغيير والتبدل هو القانون الأزلي لكل الأشياء، بما فيها قيم «الفضيلة». وتشارك الشعراء والفنانون والفلاسفة طوال التاريخ في صياغة مفاهيم جديدة لمجتمعاتهم، وكانوا من الفئة التي تبادر وتكتشف حتى قبل نشوء العلوم. ومثلما كان هناك سؤال فلسفي، طرح الشاعر أيضاً أسئلته الكبرى، وصاغها في شكل مدارس أدبية وفنية ظلت تتطور عبر التاريخ، وتدخل عليها التبدلات والأفكار في حراك حيوي أسهم في إبقاء جذوة السؤال مشتعلة، لأن السؤال وحده هو ما يدفعنا للبحث عن الضوء من جديد.