على الأبواب، من نافذة السماء الصافية، يبدو هنا ضيف مجلّل بحكمة النُبل، ويبدو الشهر أياماً حافلة ببياض السرائر، وحلم الطفولة بالطيران، وقلوب تهفو للقاء مسائي يرفل بسُندس الوشائج الموشّحة برفاهية العطف، واللطف، وخفة الروح، وفراغ العقل من براثن أيام أثقلت الكون بغبارها، وسعارها، وصارت الأرض تئن من جزر في القيم، ومدّ في سوء الذمم. اليوم في هذا الصباح، جاءني همس، وقال لي غداً سوف نفطر على مائدة البنت في منزلها الجديد، وسوف يكون معنا كل أشيائها، وشقيقاتها، ويجب عليك أن تتخلص من مشاغلك ولا تفكر إلا في اللحظة التي ترى فيها الابتسامات تشق طريقها إلى وجوه، مدها الصيام بسحنات كأنها ندى الربيع على وريقات الورد، ولما بلغتني هذه الدعوة، شعرت وكأني سأسافر إلى بلد يبعد عن بلدي آلاف الأميال، وحاولت أن أفرغ عقلي من هذه الصور الخيالية الكئيبة، ولكني تقاعست وشعرت بأن مكوثي في مكاني وعلى الأريكة التي أشمّ فيها رائحة العُزلة الجميلة، ولكن.. ولكن مع الإصرار من مصادر مختلفة، وجدت نفسي مضطراً لأن أغادر تلك الأريكة، وأستودعها الله، إلى ساعات قادمة، بعد قضاء واجب الزيارة. لما وصلت بيت ابنتي وجلست على أريكة حديثة الاستخدام، شعرت بغربة، تناوشت رأسي أفكار سوداوية، عقيمة، وحاولت أن أروغها، وأفتتح حواراً مع طفل جاءت به الصدفة كي يجلس بالقرب مني، وبعد فترة، وأنا أغوص في حوار عفوي مع الصغير، شعر بالراحة، واتسعت واحة العقل لمزيد من النقاش مع الصغير، والذي كان ذكياً، وأسئلته أكبر من سنه، وأنا أعيش هذه الأجواء السحرية الجديدة أحسست بفداحة الخسارة التي مُنيت بها خلال سنوات عمري، وأنا انكفئ في غرفة مسممة بأفكار العزلة الرمادية، حتى أصبحت مثل ذاك الجندي الياباني المهزوم، والذي عُثر عليه في الغابة، وقد نسي اللغة اليابانية، وصار (يرطن) بلغة هي غير اللغة، وإنما مجرد جمع حروف تتلاطم على شفتيه من الأمواج الغاضبة 
ندمت على العمر الذي فات من دون جدوى بعد أن وعيت بأن الاجتماع البشري هو أُساس الحياة كما قال أرسطو، وقالت كافة الفلسفات غير المتشائمة. فهمت لماذا يبكي الطفل في الليل تحت جنح الظلام حتى تهرع أمه، وتترك بعلها لتضم صغيرها إلى حضنها، وفجأة يصمت الصغير، وكأن شيئاً لم يحدث أبداً. من حيل الأطفال نكتسب ذكاء التعامل مع الآخر، بشفافية وحب، ومن شهر رمضان المبارك، يجب أن ننتهز الفرص، لكي نجتمع على مائدة الحب الذي ضيعته الظروف خلال أحد عشر شهراً، علينا أن نستدعي عاطفة الحب للضرورة الوجودية القصوى، ونحلم معاً بليالٍ مضاءة بمصابيح الابتسامات الرائعة على ثغور وشفاه الحياة جميلة، فيجب أن نلبسها ثياب الشفافية، لتعيش معاً بلقاءات كأنها لفيف الطير على أشجار أحلام تفتح في الدنى، شوارع معبدة بالحب.