في دوري أبطال أوروبا الكثير من القصص تُروى على مسامعنا، لتتحول إلى مصدر للإلهام، ولتقول لنا إن في وعاء الأبطال تُولَد العديد من الأساطير، ونادي بودو/جليمت النرويجي، أحد هذه الإلياذات الكروية التي اصطنعها دوري الأبطال لنفسه.
نادي بودو/جليمت النرويجي، فجّر مفاجأة من العيار الثقيل، وهو يطيح في مشهد صادم، بوصيف النسخة الماضية، نادي إنتر ميلان الإيطالي من ملحق دوري الأبطال الأوروبي، متفوّقاً عليه بمجموع 5-2 في مباراتي الذهاب والإياب. فقد تعرّض إنتر ميلان لإهانة جديدة على أرضه (1-2)، ليُغادر المسابقة من الباب الضيق.
كان الإنتر، أحد كبراء الكرة الإيطالية وسادة هذه المسابقة، قد سقط ذهاباً في النرويج بنتيجة 3-1، ما وضعه أمام حتمية تسجيل هدفين من دون استقبال أي هدف في جولة الإياب، لفرض شوطين إضافيين على الأقل. غير أن أهداف العودة والتدارك لم تأتِ، بل تلقّى الفريق هدفاً جديداً قضى نهائياً على آمال «النيراتزوري»، في أمسية بدت فيها الفوارق واضحة، فقد غطّى الجليد النرويجي على حدائق الحُلم الناعسة بإيطاليا.
لقد رأينا بأمّ العين، كيف تجرّأ هؤلاء الإسكندنافيون على الفوارق الشاسعة، فرغم الضغط الذي تعرّض له الفريق النرويجي خلال الشوط الأول، إلا أنه صمد من دون أن ينهار. إلى أن جاء هدف التقدم بعدما أعاد مانويل أكانجي الكرة بالخطأ إلى بلومبرغ، الذي قدّم تمريرة حاسمة استُثمرت بأفضل طريقة. ولم تتوقف معاناة الإنتر عند هذا الحد، إذ تكفّل المهاجم السابق لميلان ينس بيتر هاوغه بدفع الكرة إلى الشباك، ليُغلق فعلياً باب العودة أمام أصحاب الأرض.
كل ما في مسار ومشوار بودو/جليمت النرويجي استثنائي، فقبل أن يقبل بعزم لا يلين وإرادة لا تنكسر، على خوض مغامرة دوري الأبطال هذا الخريف، كان قد حقق في الموسم الماضي أفضل إنجاز لفريق إسكندنافي في المسابقات الأوروبية منذ مطلع القرن، ببلوغه نصف نهائي الدوري الأوروبي، في سابقة تاريخية لنادٍ نرويجي، وكان ذلك بمثابة تصريح علني بالنوايا، فعلى أرضية ملعب أسمير استاديوم، الذي يتسع لـ8270 متفرجاً فقط في مدينة لا تتجاوز ساكنتها 500.000 نسمة، سقطت أندية عريقة مثل: بورتو وبشكتاش وتفينتي وأولمبياكوس ولاتسيو، بعدما عجزت عن مجاراة نسق الفريق النرويجي فوق أرضيته الاصطناعية المدفأة.
في ظروف تاريخية صعبة، شقّ نادي بودو طريقه نحو المجد الكروي، إذ لم يُسمح له بالمشاركة في الدوري النرويجي إلا منذ سبعينيات القرن الماضي. ويستحضر المؤرخون قصص التحدي والصمود التي يرويها الماضي القريب لهذه المدينة، وهي تقاوم أعاصير الطبيعة وتقلّبات الزمن، من مدينة كادت تُمحى من الخريطة إلى فريق يُسقط كبار القارة، يواصل بودو/جليمت كتابة واحدة من أكثر القصص إلهاماً في كرة القدم الأوروبية، ولا أظن أن القصص المُلهِمة انتهت، ما هذه إلا البداية.


