في حياتنا الغروب دائماً هو الأسوأ، فإن ينتهي عقد عملك مع الجهة التي تعمل فيها، فهذا أمر مؤسف، لأنه يسير إلى نهاية حزمة من عمرك، ذهبت هدراً، إن تتسلم ورقة بيضاء مهر عليها المدير في الدائرة، أو الوزارة، أو الهيئة التي كنت تعمل فيها، تخبرك الورقة، بأن زمن ريعانك قد ولى وعليك أن تجلس في البيت هامداً بلا معنى. وأن ينتهي عام دراسي أخير للمرحلة الثانوية، فذلك أمر يشغل العقل، ويقول لك خيالك، بأن سنوات من عمرك هربت، وأنت الآن تصعد إلى هاوية العمر. 
وأن تنتهي من المرحلة الجامعية، وتجلس بلا كتاب، عليه اسم رجل ارتبطت به بعلاقة أبوية، وهو دكتور المادة التي كنت تحبها، فذلك أيضاً أمر عسير على القلب، لأن عمراً جديداً ذهب سدى، وبقيت تُعد ما ستأتي من سنوات، لتذهب كما ذهبت أخواتها، وفي كل الأحوال يتمسك الإنسان بسنوات العمر، حتى وإن كان تمسكه مجرد خيال يتناقض مع الحقائق، لأنه لولا انقضاء السنوات، فكيف سيتخرج الطالب من الثانوية، ويلتحق بالجامعة، ولولا انقضاء السنوات، كيف سيتخرج الطالب من الجامعة، ويلتحق بالوظيفة، وهكذا العمر هو السكين التي نقطع بها شطائر الحياة، لنتدرج، ونصل، ونحقق أهدافنا. أما في رمضان فإن غريزة الطعام هي أقوى من الماضي، والحاضر، والمستقبل، وهي أقوى من الزمن برمته، فلذا فإن لغروب الشمس ذائقةً، وطعماً، ومنظراً، ولوناً، وشكلاً. لغروب الشمس، إشراقة حياة في الروح، والجسد، لغروب الشمس، نبتة في حقل العمر تشرع في الازدهار، وفرحة تتزحزح بين الضلوع، تهز ورقتي الشفتين، تنفض الوجدان، كما تنفض الريح أغصان اللوز، وكما تحرك الموجة محارة الساحل. عندما تجلس الشمس القرفصاء، وتمد خيوطها الذهبية، باتجاه عالم آخر غير عاملنا، وتصبح مثل قرص البيض تفيض برائحة ميلاد جديد، على أرض جديدة، في هذه اللحظات الحاسمة من عمر نهار، يتقهقر، وليل يسير بخطى ثابتة باتجاه ملاءة السماء، والتي تبدأ في تلوين وجه العالم باللون الكحلي، تشرق الشمس بين الضلوع، وتبتهج عصافير الصدر تبتهج غزالة تمر من حولك، تناظرك برمش، وتكون أنت قد مددت شراع السفر لغايات في الضمير الكوني، وتبدأ من أول لمضة، أو رشفة، تتحسس ريق الليل، وتقول رباه هذا الليل قلبه أبيض من طفلتي التي تناولني ابتسامتها العفوية، وتمضي وتمضي في قراءة صفحة الهاتف، مندمجة مع منصات البث النشطة، المتفاعلة في رمضان أكثر من غيرها من شهور السنة. كل شيء قد لا أحتاج إليه في رمضان، إلا قهوتي العربية، ورائحة دخانها المعبق بعطر من تصنع جودته. 
فأقول شكراً لمن توقظ ليلي على رشفات أشهى من الشهد، وأنعم من لمس الورد، رشفات القهوة بعد الإفطار، وابتسامة الطفلة، وروح الزوجة، هي تلك الحسنات نكسبها في رمضان المبارك، وفي جنان الخلد ما هو أثرى.