كان مساءً وردياً، زاهياً بالفرح، أولئك شباب من هذا الوطن، خرجوا ملبين للفرح، جائلين بسيارات طوقت بعلم الإمارات، والنشيد ارتفع عالياً، باسمك يا وطن، والمطر جاء مهنئاً، مباركاً هذه الجموع المؤلفة من عيون في ريقها بهجة الأرض، وشفاهٍ في بوحها نعمة الوطن، وأحلام زهت وترعرعت، وعانقت شغاف السماء، وأنت. أنت يا وطن الخير، وانتصار النفس على طغيان الجهالة، أنت يا وطن العزّ، والكرامة، ترسم صورة الطمأنينة، في عيني مواطن ومقيم على حد سواء، وخريطة الأمل تتشح بزهور طوقت الوجنات بألوان، وعبير، وكان المساء في مدينة خليفة، حفلة عرس بهيج، وموجة الأصوات تعلو، وتعلو هامة أشبال منحهم الوطن قصيدة علّقها على نحر، وصدر، وهذه الساريات تتبع خطى عشاق الفرح، هذه الأعلام ترفرف، فياضة بالفرح، مثل أجنحة الطير تهفهف ريانة بألوانها الساطعة، وقماشة الأفئدة تسرد قصة اللون على تراب كأنه لوَّنه بلون الفضاءات الصافية، كان بوحه من حفيف النخلة المباركة، وها نحن، وقبل نجمة المساء وهي تُطلُّ من خلال سندس الغيمة، والمطر يحرسها وتتبع خطواته على الأرض عيوننا، التي تعشق البلل، وأسندت الكاعبات رؤوساً على زاوية، وطرف، وصرن في الدنى، كواكب مالت على الأرض. في هذا المساء رقصت الغيمة، فرحاً، والعشب القشيب، يحرك رموشه ترفاً، والطير تناغم مع الذاهبين فرحاً، وغنى، غنى للحياة، غنى للوطن، غنى للحب، والجهات الأربع بصوت مجلجل تهيب بوطن الحب وتقول حصنتك باسم الله يا وطن، والدعاء مبارك حيث تشدو به حناجر كأنها صفير النسائم بين جدران، وزوايا، والله يحفظ وطناً، له في العالمين صيت النعيم، وصوت الكرم.
وقفت في هذا المساء، تسمّرت، واستمرأت الوقوف، مصغياً، للنشيد، منسجماً، متناغماً مع النسمة، وقد هبّت ترافق المحتفلين، وتتبع خطاهم، بأناة وتؤدة، مستدعية، مشاعر الكائنات، وقد حدث ما كان في خيال الشعراء، وحيث غنى الطير، وأرهف الغناء، متجلياً، منعماً بالفرح المهيب، وأنا.. أضع قدمي في الماء، والمطر لم يزل يكتب رسالته السماوية، بخط النسخة يكتب ببلاغة عربية، ونبوغ النجباء، المطر يكتب، وأنا أقرأ رواية لنجمة، ولم تنم تلك الليلة وهي ترافق الساريات، وتصفق، والبريق يشع في عيون كأنها العيون، دمعها عذب الحاملات نثاً، والمدهشات في النصوع. وقفت ونظرت، وتأمّلت المشهد، وفي قلبي نبضة كدت أفقدها، ولكني تجاسرت، وخضت غمار الوقت، بمهجة، ووهج، وسرت أتلو آية الكرسي وأنا أتبع صوت طفل، قالها بصوت أنعم من النسيم (حصنتك باسم الله يا وطن) وتبعت صوته، كما تبعتني زخات المطر، تبلل قلبي، وروحي جناح فراشة، أيقظت في الحلم، أيقظت تاريخاً ذلك التاريخ الذي قال للمستقبل هيا بنا، ننعم بنعيم وطن، لنمضي. إلى السماء محمّلين بنجوم، وأقمار، تسر الناظرين، وتبهج شعباً، أبياً، تضعه بين الرموش كحلاً أثمد، والمرود أنملة أشارت للأفق محيية مداه، رافعة علم النصر خفاقاً متدفقاً، كأنه الحلم.


