كلما تذكرت أصدقاء الحارة، ومدرسة القرآن عند المطوعة، ومدرسة النهيانية القديمة، ومدرسة عمرو بن العاص في الدراسة المسائية، ضحكت من قلبي وقلت: هل يتساوى ذاك الصديق الأجلح الأغبر الذي لعب معك في سكيك الحارة، وركضتما سوياً حفاة مرة، ومرة تحت المطر عراة، يوصل لبيتكم ما ترسله أمه لكم، لتتطاعموا من غدائها، فتنقص «المقفلة» لقمة هَفّها على عجل، وكذلك تفعل أنت رداً عليه، كيلاً بكيل، دربحتما «الطواق» معاً، وترادفتما على الدراجة الهوائية المستأجرة من عند مؤجر «السياكل» الأحمر «نادر» أو ترجيتما «غلوم» بائع «الباجلّه» وأنتما تتبعانه معاً لكي يزيد في الصحن قليلاً أو حاولتما أن تغشّا «راشد» بائع «النخي» أو سرقتما من «الهمباه» من نخل المعمورة معاً، كنت تدافع عنه، ولو كان مخطئاً، وكان هو يأخذ بثأرك ممن ضربك، تقاتلان معاً ضد الآخر، كمبدأ جاهلي تسلل لكما عبر رمال الصحراء، وما توجب من نواميس؛ «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، ولكنكما تتعاركان مع بعضكما البعض حين تقفلان عائدين إلى البيت، تستر عليه إن فعل شيئاً يغيظ الأهل، وربما تتحملان العقاب سوية من أبيك أو أبيه، لا فرق، وحين تَصرّ لك أمك شيئاً من طعام أو عملة معدنية، لا تنساه هي إن كان واقفاً ينتظرك عند الباب، وأمه لا تنساك إن كان هناك خير، فهو لك وله، درجتما نحو العمر والبلوغ معاً، لا تفترقان، وإن زعل أحد من الآخر، تظلان تختلقان الأعذار، وتأتيان بالحركات المضحكة لكي يبتسم، ويبتسم الآخر، وتبدأان بالكلام من نهاية الجملة، وتنسيان الزعل، والتخاصم بفرك إصبعي الخنصر؟ هل يتساوى ذاك الصديق، وإن تغير الآن، وسارت به الحياة في منعرجاتها، وتكادان لا تلتقيان إلا في عرس أو عزاء، وربما لا يعرف أولاده أولادك، وربما إن اجتمعتما لا يدور حديثكما إلا عن فترات الطفولة المنقطعة، ولا حديث عن العشرين أو الثلاثين سنة التي مضت، والتي شهدت أحداثاً كثيرة، ليس فيها حدث يضمك مع صديقك القديم، هل يتساوى صديقك أبو الوجه الأغبر الأجلح مع أصدقاء الوقت، أصدقاء الرقمنة والمنصات الافتراضية «الفيس بوك، التويتر، والسناب شات» والرسائل الإلكترونية، من ذوي الوجوه «الديجيتال»؟
تلك الوجوه الرقمية، بالتأكيد لن تفزع لجار، إن «إنخَاق» عليه سقفه أو دخلت شعبة الوادي لبيته، ولن تأخذها النخوة إن سمعت ناقع الصائح، ولن تظل تبكي العجوز «عائشة بنت هلال» التي احترق بيتها وبقرتها، ولن تجدها حين تكون هناك دمعة على عتبة الدار أو ثمة ضحكة تخبئها لتشارك بها صديقاً داخل الدار، بالكاد يعرفون باب بيتك، ونادراً ما يقرعونه طلباً للسلام والاطمئنان، وقولة مرحبا، هم وجوه في الظلمة تلمع وتلتمع، إذا ما كنت أمام جهازك، وكانت شاشتك تومض بحرارة البطارية، قد تتواصلون يومياً، لكنكم بعيدون في واقع الحياة، ليس ثَمّ شيء بينكم هو من دفء الإنسان وأنفاسه وحرارة دمه، ورائحة عرقه، أو لمعة ملوحة البحر الملتصقة بظهره.
غاب الصديق ذو الوجه الأغبر الأجلح، والرِجل الحافية، والذي تسمع نشيج مخاطه في الشتاءات الباردة أو وأنتما تلتقطان النبق من شجرة السدر الزخمية في فجر العين النديّ، تشعر بتقفقف أضلاعه، وتصاك أسنانه، ورعدة جسده في الطابور المدرسي، غاب ذاك الصديق الأغبر الوجه، الأجلح الملامح، وحضر الصديق الرقمي بوجهه «الديجيتال»، غير أن العناق معه مستحيل، ورؤية الدمعة الخارجة بفرحها أو حزنها غير ممكن، حتى تاريخ ميلادك يذكره به جهازه الذي يضم أصدقاء كثر، أنت بينهم رقم، خانة، لا يحنون لصورتك، ولا يعرفون تفاصيل وجهك، لكنهم قد يعرفون كم «بيكسيل» هي أجزاء صورتك في جهازهم، هم أصدقاء كثر.. كثر، لكن وجوههم من زجاج وشاشتين لامعة و«ديجيتال»، ولا تشعر أنك تريد يوماً أن «توايههم» بالخشم، كعادة عيناوية!