من أهم الدروس النوعية الناجحة التي سجلتها دولة الإمارات، وهي تتصدى للعدوان الإيراني الإرهابي الغاشم، والذي استمرّ لأكثر من أربعين يوماً، ليس فقط الصمود الملحمي والأداء الاحترافي العالي لأبطال قواتنا المسلحة ودفاعاتنا الجوية وأجهزتنا العسكرية والأمنية، وإنما كذلك لفرق الأزمات والطوارئ الوطنية، التي أعادت صياغة مفاهيم الجاهزية والاستجابة للطوارئ، بحيث تنتقل من نماذجها التقليدية القائمة على مركزية القرار، لتنفتح على مقاربات أكثر شمولاً ومرونة.
ومن هنا، يكتسب إطلاق مبادرة «شباب أبوظبي للاستجابة للطوارئ» من قِبل مركز إدارة الطوارئ والأزمات والكوارث لإمارة أبوظبي، وبالتعاون مع مجلس أبوظبي للشباب، دلالةً استراتيجيةً تتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع في إدارة المخاطر.
تكمن أهمية هذه المبادرة في توقيتها، والبناء على نجاحات تحققت لفرقنا الوطنية وفق نهج استباقي قائم على الجاهزية الشاملة، وليس مجرد الاستجابة اللاحقة. ومن هنا، يمكن قراءة المبادرة باعتبارها جزءاً من مسار مؤسسي أوسع يستهدف بناء منظومة ديناميكية قادرة على التكيف السريع مع مختلف السيناريوهات، عبر توسيع قاعدة المشاركين في إدارة الأزمات لتشمل فئات المجتمع، وفي مقدمتها الشباب.
ويُشكّل إشراك الشباب ركيزةً أساسية لتعزيز ما يمكن تسميته «الجاهزية المجتمعية الذكية»، التي تقوم على مزيج من الوعي، والمهارة، والقدرة على التحرك المنظّم في أوقات الأزمات.
ويضع الطابع الطموح المبادرةَ أمام مجموعة من الأولويات لضمان استدامتها وفاعليتها.
وتفتح المبادرة آفاقاً استشرافية واسعة، إذ يمكن أن تشكّل نواة لنموذج متكامل في إدارة الأزمات قائم على «الحوكمة التشاركية»، حيث تتكامل أدوار المؤسسات مع قدرات المجتمع في إطار منظومة مرنة. كما يمكن أن تفتح المجال أمام توظيف التقنيات الناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، في دعم جهود الاستجابة، من خلال تمكين الشباب من استخدام أدوات رقمية متقدمة لرصد المخاطر والتعامل معها بفعالية أكبر.
لا يمكن النظر إلى مبادرة «شباب أبوظبي للاستجابة للطوارئ» بوصفها برنامجاً مرحلياً، بل باعتبارها توجهاً استراتيجياً يجسّد رؤية مستقبلية لبناء مجتمع أكثر جاهزية ومرونة. فهي لا تُعيد تعريف مفهوم الاستجابة فحسب، بل تؤسِّس لتحوّل أعمق يجعل الإنسان، بوعيه ومهاراته، خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات، ومحوراً رئيسياً في منظومة الأمن الشامل، وضمانة أساسية لاستدامة الاستقرار، في عالم تتزايد فيه التحديات وتتعاظم المخاطر.
وفي هذه السانحة، تحية شكر وامتنان لكل من عمل على تعزيز خط دفاعنا الأول، وكان العون والسند لحماة الوطن. حفظ الله الإمارات وأدام عزها.