الابتسامة في وجه أخيك صدقة «حديث نبوي»، تشعر، وأنت تستقبل ابتسامة شخص أياً كان، فقد تعرفه أو لا تعرفه، أن الابتسامة هي لغة عالمية، وهي جسر الوصول إلى محطات الحب الكبير الذي يتمناه كل فرد، ويعيش على أحلامه، ولكن بعض الأشخاص محرومون من هذه النعمة، ويعيشون حالة جفاف عاطفي حتى في فصل الشتاء، وتحت زخات المطر، وتفتح الزهور، وانتشار رائحة العطر الصحراوي، وشغب الغزلان الذي يعم البوادي والوديان، كل ذلك لا يشفع لبعض الناس، فترى وجوههم مثل أوراق اللوز الصفراء التي ضربتها الشمس بسياط اللهيب.
وفي رمضان، الذي يفترض أن يكون شهر التسامح والرحمة، والابتسامة فيه ضرورة وجودية، تجد المبررات جاهزة ومعدة مسبقاً بأن الإنسان الصائم ليس لديه ذاك المزاج الرائق، ولذلك فإنه لا يتحمل أن تنزلق منه ابتسامة تشرح صدر شخص آخر.
معضلة إنسانية أن يمرق من حولك شخص عابس يعذبك كثيراً وأنت تتذكر غروب الشمس على الكائنات، ولكن قد تصادف شخصاً آخر، وتراه قابساً ابتسامة كأنها الشروق على وجه الوردة، مسهباً بكلمات تخرج من بين شفتيه كأنها الأحلام في عيني الطفولة أو النسائم على وجنات ندية.
رمضان مثل دفتر الذاكرة، يجلب على المخلوقات البشرية صفحات معلقة بعطر وجوه تبسمت فأجهضت محاولات الكآبة غزو الأرواح البريئة، ومنحت الحياة وردة الأبدية، فانتعشت روح الكاهن في داخل كل منا، وارتعشت الأواصر، ودامت الحياة على صوت بنغمة الطير وابتسامة تعجن روعة الصيام بالرحمة، ولطف المعشر بين البشر.
عندما تأتي الابتسامة في مساء مفعم بتعب الصوم تكون هذه هي الإشراقة التي تنقلك إلى منازل النجوم، وهناك.. هناك تجلس على عرش السكينة، وتستمع إلى صوت حيث لا ضجيج، هناك فقط الصمت المتدحرج على موجات صوتية هامدة، ولا جدل في أن للصمت ذبذبات، ولك، وأنت صائم، مشاعر تنقلك إلى عوالم غرائبية، عوالم تستمع فيها إلى أصوات ولكنك لا ترى الوجوه حيث الوجوه ربما غربت، في مكان ما، أو توارت تحت الرمال، ولكنك تستدعي الأشياء، وتستعين بها كي تطري ابتسامتك في رمضان، وتمنحها بلل اللحظات الأخيرة ليوم رمضاني متخم برائحة أطعمة من صنع الأم (القديمة).. الله ما أحلى ابتسامتها وهي تنشر السمن على طبق الهريس، ما أحلى ابتسامتها وهي تستمع إلى دعابة من بعل شقي، ما أحلى ابتسامتها تلك الأم النقية، وهي تشاغب خصلات شعر فتاة صغيرة جاءت محملة بتحيات أمها للأم القديمة!


