هناك الكثير من المدن الصغيرة التي أخرجت من صدرها حكايات كبيرة، لكن مثل مدينة «سراييفو» لن تجد، فقد عرفت الحروب، سواء من الداخل في الحروب الطائفية والنزاعات القومية أو حروب أتتها مع تمدد الإمبراطوريات المختلفة، حتى أنها تسببت في نشوب الحرب العالمية الأولى بعد اغتيال الأرشيدوق«فرانز فرديناند» ولي عهد النمسا، وزوجته «صوفي» دوقة «هوهنبيرغ»، عام 1914، على يد «جافريلو برينسيب» الصربي من جماعة «شباب البوسنة» التي تدعمها منظمة «اليد السوداء».
سراييفو هذه المدينة التي تحتل قلب أوروبا، أسسها «خسرو بك» وشغل منصب واليها من 1521م حتى 1541م، وعكف على بنائها وتعميرها، حتى شغف بها، وأوصى بأن يدفن فيها داخل ساحة المسجد الذي يحمل اسمه، والذي يعد من أكبر وأجمل مساجدها، وبجانبه بنيت مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم، و«خانقاه» أو مدرسة لدراسة التصوف.
سراييفو.. كان صيفاً لن ينسى، ولن يتكرر، لأنك رميت حبك على غشاوة عين صبي قلما ينسى، وتهزمه دائماً المدن المتربة، والمعفرة بروائح التاريخ والقراطيس الصفراء، وما يسطرون!
ذات صيف، وقبل أن تشتعل بالحرب، وتنشط تلك الخارطة الكبيرة ليوغسلافيا، حاذيت مجرى نهر «دارينا»، ووقفت على جسره، وشاركت في صلاة الجنازة الغائبة الجامعة والشاهدة على موت الأحرار الذين ما زالت المدينة تبكيهم، وتبكي موتاها منذ الأزل، ومبتلية بأن تبكي موتى قادمين سيفجعون المدينة بعد أعوام مقبلة كانت تنتظر عند بواباتها، تذكرت حينها تلك الرواية الجميلة التي منحت مؤلفها «إيفو أندريتش» جائزة نوبل، «جسر على نهر دارينا»، وتذكرت متعة القراءات الأولى، وما يصحبها من دهشة، حين تجد ذاك الطَعم الحلو مذاقه في الفم، والذي تجلبه بعض الكتب، دون سواها.
لقد بقيت في نفسي تلك الاحتفائيات بالموت، ولباس السواد والرماد، وكأنه قدر سراييفو أن تخرج صهيلها ونواحها في ذكرى مذابح وضحايا الحرب في سراييفو الجميلة عبر تاريخها، وآخرها الإبادة الجماعية في «سربرنيتسا» عام 1995، حيث تظهر كل العائلات البوسنية في مسيرات وصلوات وزيارة الأماكن التي حدثت فيها المذابح، وإقامة الولائم العائلية، والعودة مساء إلى بيوتهم محتفظين بذكريات من ودعوهم في غفلة وبلا جريرة، مصطحبين دعواتهم بأن لا ينسوا أبداً تلك الحكايات الكبيرة التي سطرها الراحلون من مدينتهم وقراهم الصغيرة.


