اليوم.. اختلفت الأمور عن أيام الإضبارة والملفات العتيقة المتراكمة غبرتها، مثل دفاتر تاجر مفلس حَدّته الظروف إليها ينبش فيها حسابات البيدر، أيام كانت الدول «الثورجية» ترمى بجوازات الدول «الرجعية» بطول اليد، والجواز الخليجي يظل عالقاً أو مركوناً جانباً على هيئة هرم خليجي بجوازات سوداء وزرقاء وخضراء وحمراء، حتى يقوم واحد من إخوان شمّا و«يبهنس» ذلك القابع خلف الشباك الزجاجي المعتم، أما السالكون والمترددون فيأخذون الطريق من أولها، ينصفون صفحات الجواز بنوط أخضر، متخذين مبدأ «أعلن أبو الفقر.. إدهن سيره، ومَشّ حالك، وإلا بترمّ في المطار»! والذين يكرهون ساعتها أمثالي من أصحاب المبدأ، وتقدير التعامل الحضاري، وأن الرشوة تمثل سلوكاً غير إنساني، ليخرج أمام عينك وعيون أمثالك ضابط بنجوم مطفية يقودهم إلى الباب، لا تفتيش حقائب، ولا يكتبون لك الكاميرا والساعة والخاتم في الصفحة الأخيرة من الجواز، وكأنك متهرب من دفع قيمة «الجمرك».
الآن جهاز إلكتروني يتلامع، ولا تعرف من يلغمه بالمعلومات عن بُعد، ولا من يتعامل معه تلك اللحظة، بحيث يمكن أن تدخل عليك تهمة من حيث لا تدري، فالأمور في عصرنا الأغبر مختلطة، ولا تعرف من تصدق؟ الذي يصلي ويُفجر ويفجّر أو الذي يدّعي، ويدعو لدعوة جاهلية أو ذلك المتمسكن الذي تأكل الدجاجة عشاءه، وبعدها تجدهم يتزاحمون على صفوف قيادة الجماعات وفروعها العنقودية، بحيث لا يعرف أحد عن أحد، وهنا تتشابه الهويات والهيئات، وتختلط الأسماء ما حُمّد منها، وما عُبّد، والهواتف تسرق، والجوازات تُقلّد وتزيف، وتعال عاد اصبر حتى يظهروا اسم أمك المختلف، لأنها الوحيدة التي تشهد ببراءتك، وتبرئ جنابك.
لذا يظهر شعور الرهبة والتخوف والتوجس عند الكثير من الناس أثناء عبور ذلك الخط، والمكوث أمام ذلك الشباك الزجاجي المعتم والشفاف، مساوين الرهبة والخوف بين دولة حرة، مستقلة ذات سيادة، وبين دول مطاراتها، مثل نقاط الحدود البريّة النائية.
المهم في ذلك المطار الألماني الذي يشبه مبنى وكالة سيارات المرسيدس أو أقرب لمبنى استاد بايرن ميونخ، وأمام ذلك الضابط الذي يبدو عليه أنه تدرب في ألمانيا الشرقية قبل عودة الفرع إلى الأصل، وهو اليوم فرح بألمانيته الموحدة، هي سحبة واحدة للجواز الأزرق على جهاز التعرف والقراءة للجوازات بيد ذلك الضابط الألماني الماهر، حتى افتر ثغره، وناظر إليّ بشيء من الود، وصاح بإنجليزية لا أستطيع أن أقول عنها، إلا أنها أفضل من إنجليزتي التي تتراجع من عام لعام: «العين»! ونحن عاد إذا سمع الواحد منا العين، تقول، ماخذين الدوري والكاس في موسم واحد، ومتأهلين لنهائي بطل آسيا، هزيت رأسي بفرح طفولي، يغالبني شعور بالأمن، يمازجه كثير من الفخر، بقي يمدح في العين التي زارها لمدة أسبوع، واستمتع بواحات النخيل وكثبان الرمل، ومزايا الفندق وخدماته، وأنا مثل الذي تسقيه عسلاً على الريق أو «تصعطه سح مدلوج بسمن الدار»، كان بودّي أن أضيف الكثير على كلامه، لكن الشرطي «العيناوي»، كان مندفعاً، وهو يعبر عن تجربته في تلك الزيارة، وأنه عازم أن يأتي يوماً، وكدت أن أتبرع من حماستي العيناوية، وأعزمه عزيمة أهل «ذيك الدار»، لكني أحجمت في آخر لحظة، مكتفياً بانحناءة احترام، لكن «الود ودي كان أضرب له صلوط شغل تدريب الديبوت الأوليّ»!.
سهيت متفكراً كمن يعمل مقارنة سريعة بين مطار هنا ومطارات هناك حتى سمعت ذاك الختم يرّن على الجواز الأزرق مع ابتسامة ألمانية مختلفة ظلت ترافقني من ذلك الشباك الزجاجي الشفاف، حتى نداء أربطوا الأحزمة، ومرحباً بكم في مطار أبوظبي الدولي.