جاءت قمّة أبوظبي للبنية التحتية «أديس 2026»، التي تختتم اليوم في عاصمتنا الحبيبة، لتؤكد أن التنمية الحقيقية لا تُقاس بحجم الطُّرق والجسور والمشاريع فقط، وإنما بقدرتها على خدمة الإنسان وتحسين جودة حياته. وبدا الشعار غير المُعلَن للقمة واضحاً في كل فعالياتها ورسائلها: الإنسان أولاً. شعار يكتسب أهمية خاصة في عصرنا الراهن، حيث تتسارع التحولات الحضرية وتتغير فيه مفاهيم المدن وأدوارها. «وسط توقعات بارتفاع عدد سكان المدن بنحو 2.5 مليار نسمة بحلول منتصف القرن، في حين تتطلب مشاريع البنية التحتية حول العالم استثمارات تُقدّر بـ106 تريليونات دولار أميركي حتى عام 2040، ما يضع المُدن أمام تحديات تنموية تستدعي تبنِّي رؤى عمرانية متقدّمة قادرة على تعزيز الاستدامة ورفع كفاءة الموارد واستباق متطلبات المستقبل».
نجحت أبوظبي، عبر هذه القمة العالمية، في تقديم نموذج حضري متوازن يجمع بين الحداثة والاستدامة، وبين التكنولوجيا والبُعد الإنساني، مؤكدة أن مدن المستقبل ليست مجرد تجمُّعات عمرانية ذكية، بل مجتمعات متكاملة تُبنى لتمنح الإنسان جودة حياة أكثر راحة واستقراراً وأمناً.
وتتعامل أبوظبي مع التحديات بمنهج استباقي يقوم على التخطيط طويل الأمد، وتكامل المؤسسات، والاستثمار في الإنسان قبل المكان. ويعمل مركز أبوظبي للمشاريع والبنية التحتية حالياً على تنفيذ محفظة مشاريع رأسمالية تُقدّر قيمتها بنحو 209 مليارات درهم، تشمل أكثر من 500 مشروع رأسمالي في أنحاء الإمارة، وتستهدف، بحلول عام 2029، توفير أكثر من 40 ألف منزل وأرض سكنية؛ بما يسهم في تعزيز استقرار المجتمعات ورفع مستوى جودة حياة السكان في مختلف مناطق الإمارة.
اللافت في التجربة الإماراتية أن مفهوم البنية التحتية تجاوز الإطار التقليدي المرتبط بالخدمات والمرافق، ليصبح مشروعاً تنموياً متكاملاً يربط الإسكان بالنقل، والتعليم بالتكنولوجيا، والاستثمار بجودة الحياة.
كما عكست القمة حجم الثقة الدولية المتزايدة في أبوظبي باعتبارها مركزاً عالمياً لصناعة الحلول الحضرية المستقبلية، ومنصة تجمع الحكومات والمستثمرين والخبراء لصياغة رؤى جديدة أكثر مرونة واستدامة. ثقةٌ لم تأتِ من فراغ، ولكن من تجربة واقعية أثبتت فيها الإمارة قدرتها على إدارة النمو بكفاءة، والحفاظ على استمرارية الخدمات، وتحويل الطموحات إلى مشاريع ملموسة تُسعد الإنسان.
الرسالة الأهم التي خلصت لها «أديس 2026» هي أن المدن الناجحة ليست الأكثر اتساعاً أو ارتفاعاً، بل الأكثر قرباً من الإنسان واحتياجاته. وأبوظبي، وهي تواصل بناء المستقبل، تقدم للعالم درساً تنموياً بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان… وينتهي عند رفاهيته. حفظ الله الإمارات وأدام عزّها في ظل بوخالد.