في العام أربعة وستين ميلادية، أحرق نيرون الدموي روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية وراح يغني أشعار هوميروس ويعزف القيثارة، متلذذاً بما يحدث في عاصمة بلاده. ولكن في نهاية الأمر ذهب نيرون منتحراً، كمداً، وبقيت روما، وإنْ كانت تسير على عكاز رغبتها في الحياة.
هكذا تحدّث التاريخ عن طغاة ما همّهم وطن، ولا شعب، وإنما الشعار الأسود الدامس كان نُصب أعينهم، ورغم المآسي التي واجهها أولئك الطغاة، إلا أنهم لا زالوا يكرّرون لعبة التاريخ السّمجة، ويتبجحون، ويرغون كما ترغي الجمال الهائجة، لأنهم عندما فكروا بما تسديه إليهم الأنا المتضخمة، دخلوا حلبة اللاوعي، وغابوا، وسغبوا، واستلبوا، ولم يزالوا يماطلون، ويزحفون على بطونهم لكي يصلوا إلى المآرب، والخرائب، ولكن لا جدوى، فإن صورة نيرون لم تزل معلّقة على مشجب ذاكرة التاريخ، ومن لا يستوعب دروس التاريخ فلا بدّ له من نهاية أكثر سواداً من نهاية نيرون، وأمثاله، وأشباهه، وأنصافه وأرباعه، لأنه ما من خطأ تاريخي يذهب أدراج الرياح، وما ذروة في العنجهية إلا وتُوقِع أصحابها في الدرك الأسفل، ويبقون حطباً لنيران قلوبهم السوداء.
الكراهية لا تجلب إلا دخاناً أكثر حلكة من الزيت المهرب عبر مسارب الخديعة، والكذب لا يجلب إلا تنكيس الرؤوس خذلاناً، وهزيمةً لمن اتخذ من الكذب معطفاً يخبئ تحته بنادق الهراء، والافتراء.
اليوم، العالم يعيش أصعب فتراته خديعة، لأن المُخادع اتخذ من الكذب وسيلة للدفاع عن صور وهمية، وخيالات مريضة عاثت في وجدانه، وصدّرها إلى أذيال، وأجنحة مكسورة، وظواهر صوتية مشروخة، وأعناق تشبه رقاب طيور مهزومة. اليوم، العالم يمضي قُدماً في اتخاذ قرارات، تُفشِل مشاريع تتعكّز على عِصي من جريد نخر، وشعارات تبدو للناظر مثل لوحة تشكيلية لرسام مزيف، وتصريحات أصبحت مثل النقيق في وادٍ غير ذي زرع، وعناوين تشبه أبواباً قديمة هجرها أهلها وبقيت شاهدة على مهزلة تاريخية من زمن عاد وثمود.
كل ذلك يحدث، وكل ذلك مفضوح، وبيِّن في إخفاقاته، ولكن كما يقول المثل القديم (عمك أصمخ). اليوم العالم يتفرج على مهزلة، تحدث بالقرب من محيطين أصحابها ظنوا أنهم يعيشون على كوكب خارج كوكبنا، فسبحوا في المياه العكرة، وفوّتوا على أنفسهم فرص الحياة الكريمة، وساروا، وخارت قواهم العقلية كما تخور الركاب التي ضيّعت المضارب في صحراء قاحلة. والمراقب ينظر اليوم إلى المشهد، تدهشه هذه المراوغة، تدهشه الاحتمالات القصوى لعقل يشبه الحجر، وضمير لا تصحيه الجموع الجائعة وهو يسكن في منازل اللهو بلعبة السياسة الخائبة.


