قوة موروثاتنا تقع في ثباته واستدامته، أقول ذلك عندما استوقفتني كلمة «بوسة» في جلستنا العائلية هذا الأسبوع. قال العم ظافر لأحد الأحفاد: «انته ما بستني اليوم!» عاد الطفل وقَبَّلَ جبين عمه وأكمل السلام على باقي الجلاس. كنا نقف ونجلس نلوي ونرحّب بأجواء تسوى الدنيا وما فيها، فهؤلاء هم الأسرة الحبيبة القريبة مهما ابتعدت وحيثما امتدت لكل فردٍ رائحة تزين بها للحظات الثناء على النية الطيبة. في بداية كل لقاء ماشي رمسة، بل تستبق النظرات حضور الداخلين لتلاحظ ماذا تغير على أشكالهم منذ الأسبوع الفائت. تأتي فترة تحديث المعلومات عن الدوام والعزاء والعرس الذي ساروا له أو خطوبة مروان أو أساليب الاحتيال والتحذير لتفاديها وهكذا. الحمد لله أن الرمسات كلها عن العائلة وما يخصنا في حد، هكذا نشأنا وعلى هذا النهج عيالنا سايرين.
عقب شوية فرشوا السماط ويلسنا نتغدى صحون وأيادي تتبادل المحتوى والأسئلة الذي نسمعها، بجواري يجلس الصغار ومهمتي أن اُبلح لهم السمك، بالإضافة إلى تعليمهم كيف يقطع الرأس ويترك جانباً لأنه بمثابة الحلو الذي تختتم به وجبة الغداء. مهمتي الأخرى هذا الأسبوع أن يأكلوا بيدهم (وبدون قفازات) وعليَّ أن أجعلهم يكونون اللقمة من دون ما ينثرون العيش، فقد لاحظت أختي زبيدة أن هؤلاء الصغار يأكلون بأطراف أصابعهم واللي يشوفهم يتحراهم طيور وهم ينقبون النعمة اللي في صحونهم.
بعد الأكلة الدسمة جاءت الحلويات وكأنها إلزامية يقنعنا من أعدها في بيته أو بنفسه أن سكّرها خفيف وسعراتها أخف مما نتصور. تذوق تلك الأطباق يخليك تستحي يوم تشوف طبيب التغذية، ولكن هكذا هي التجمعات العائلية تصنع فيها الذكريات وتمتص أذهاننا تفاصيل تجعلها جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة. بعد تجاوز مرحلة الحلوى تدور فناجيل القهوة نظرت حولي فوجدت وجوهاً أحبها، بل أعشقها. قلت لإبراهيم: «تعال بحبك»، عندما وقف أمامي مدّ ذراعيه واحتضنني، نظرت إلى العم ظافر وقلت له: «يسمونها حبة مب بوسة، فبحسب لسان العرب البَوْسُ: التقبيل، لفظة فارسية معرّبة.. نحن في الإمارات نقول حبة لأنها مصطلح تعبيري قولاً وفعلاً وفي خصوصيته إخفاء شائك التراتيب، لاسيما في تعبيره عن الحب اللامتناهي.
للعارفين أقول، غفر الله لمن ربّانا وأسمعنا عبارة «وراء كل امرأة عظيمة حب».