ثنائية متتالية في دوري أبطال أوروبا، وجيل من المحاربين لا يحتاج سوى إلى شرارة صغيرة ليُشعل الملاعب، ومنظومة جماعية صاغها لويس إنريكي بدقة الفنان وإصرار القائد. كل ذلك يجعل من المؤكد أن باريس سان جيرمان سيظل حاضراً في ذاكرة كرة القدم لعقود طويلة، وأن أسماء أشرف حكيمي ورفاقه تُنقش اليوم بحروف من ذهب في السجل الخالد للعبة.
فمنذ ريال مدريد بقيادة زين الدين زيدان، الذي فرض هيمنته الأوروبية بثلاثة ألقاب متتالية، لم تعرف القارة فريقاً ينجح في الاحتفاظ بالكأس ذات الأذُنين مرتين متتاليتين. وقبل ذلك، كان ميلان أريجو ساكي أحد آخر النماذج التي صنعت مجداً مشابهاً عند مطلع التسعينيات. أما من حيث جمال الأداء وروعة الجماعية تحت قيادة مدرب يحمل اللكنة الكتالونية ذاتها، فإن الذاكرة تستحضر فوراً برشلونة بيب جوارديولا.
أين نضع إذاً باريس سان جيرمان بين عظماء القرن الحادي والعشرين؟ الإجابة تبدو أكثر وضوحاً مع كل ليلة أوروبية جديدة، فبعيداً عن الألقاب، نجح الفريق الباريسي في بناء هوية كروية آسرة، تجمع بين الجرأة والإبداع والانضباط، وتُجبر المتابع على العودة إلى دفاتر التاريخ بحثاً عن فرق شبيهة. وغالباً ما يكون الجواب واحداً: منذ زمن بعيد جداً لم نرَ فريقاً بهذا التميز والنبوغ.
من مدريد إلى برشلونة، مروراً بإنجلترا وألمانيا وإيطاليا، شهدت كرة القدم الحديثة فِرقاً عظيمة تركت بصمتها على اللعبة، لكن باريس سان جيرمان بقيادة لويس إنريكي يواصل الارتقاء في سلم الخلود. وإذا كان ريال مدريد زيدان قد جسّد ثقافة الانتصار بأبهى صورها، فإن برشلونة جوارديولا أضاف إليها ثورة تكتيكية ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم. أما الفريق الباريسي، فيبدو أنه يسير على الطريق ذاته، باحثاً عن مكانه بين أكثر الفرق تأثيراً وإلهاماً في العصر الحديث.
وعلى امتداد مشواره الأوروبي، لم يمنح باريس سان جيرمان، عشاق كرة القدم الانتصارات فقط، بل منحهم متعة خالصة. خمسة وأربعون هدفاً في سبع عشرة مباراة بدوري الأبطال، رقم يعادل أحد أعظم الإنجازات الهجومية في تاريخ المسابقة، عدا ذلك فهو يترك فينا إرثاً منه ستتغذّى الأجيال القادمة.
ربما ستتذكر الأجيال القادمة نصف النهائي الملحمي أمام بايرن ميونيخ أكثر من النهائي نفسه، لما حمله من إثارة وجنون ومتعة. لكن نهائي بودابست سيبقى شاهداً على وجه آخر لهذا الفريق، وجه الصبر والمعاناة والقدرة على الانتصار حين تصبح الطُّرق إلى المجد أكثر وعورة.
هنا تُقاس عظمة الفرق الكبرى. ليس فقط في قدرتها على الإبهار، بل في قدرتها على التأقلم والانتصار حين تغيب الظروف المثالية. فعندما تُغلق المساحات وتتعقّد الحلول، يعرف باريس سان جيرمان كيف ينحني للعاصفة دون أن ينكسر، وكيف ينتظر لحظته بثقة لا تتزعزع حتى يوجّه ضربته الحاسمة.
بهذه الروح، وبهذا القدر من الموهبة والإيمان الجماعي، لا يبدو أن رحلة باريس سان جيرمان نحو المجد قد بلغت نهايتها. نحن أمام فريق لم يكتفِ بكتابة التاريخ، بل بدأ يصنع أسطورته.


