يعرف عني بأنني كثيرة الملاحظات حين أتحدث عن أداء العاملين في الواجهات الأمامية للمؤسسات، موظفي خدمة العملاء والاستقبال، شركات الطيران وكل من تكون مهمته الأولى التعامل المباشر مع الناس، وهنا مربط الفرس. في هذه المواضع أنا لا أبحث عن المثالية، بل عن طبيعة ومعنى هذه المهن نفسها!
فلنتفق بداية أن الوظائف ليست كلها قائمة على الخبرات العلمية والمهارات الفنية وحدها، فهناك وظائف تكون أخلاق الإنسان فيها هي الخدمة التي تُقدم، لدرجة أنه حتى لو قدم الموظف الإجراءات بشكل مثالي، وكانت ببرود أو تعالٍ أو لامبالاة، فإنه في رأيي أفسد عمله!
حسناً.. ثمة صفات نتعامل معها عادة على أنها مزايا إضافية في الموظف، كالبشاشة وحسن الإنصات، والصبر والقدرة على احتواء الغضب، والاهتمام بظروف الآخرين، بينما الحقيقة أنها متطلبات أساسية، ولهذا تترك هذه المواقف أثراً عاطفياً يفوق حجمها الظاهري لدى كثير من الناس!
ولكن لماذا يترك موظف واحد هذا الأثر الكبير فينا؟
عندما نذهب أو نتعامل مع البنك أو المستشفى أو أي مكان إلا وفي داخلنا ألم نود تخفيفه أو حاجة نود تحقيقها أو مشكلة نود حلها، وهي حالات نكون فيها أقل قوة عما هي طبيعتنا. وعندما نُعامل بما لا يشعرنا بالتقدير، نشعر وكأن العالم كله يضيف ثقله إلى ما نحمله أصلاً، بينما العكس عندما نقابل بتفهم واحتواء. وهذه الوظائف -على بساطتها الظاهرة- تحمل شكلاً من أشكال السُلطة اليومية علينا. وهي نقطة إنسانية في غاية الأهمية لا ينتبه إليها كثيرون، فهناك سُلطة حقيقية يمارسها عليك من يحدثك خلف الهاتف أو مكتب الاستقبال، وصاحبها لا يملك في يديه فقط مجرد إجراء ينجزه، بل يملك مزاجاً ولحظة خاطفة بإمكانه فيها أن يمنحنا الطمأنينة أو يزيد من عبء يومنا.
اللطف والذكاء الاجتماعي والقدرة على التواصل ينبغي ألا تترك للصدفة عند التوظيف، بل يجب أن تكون جزءاً أصيلاً من معايير الاختيار منذ البداية. وعلى المؤسسات أن تعتني جداً بذلك، فالموظف بسلطته تلك يتحوّل إلى ما يمكن أن نسميه «الواجهة الأخلاقية» للجهة التي يعمل فيها، كونه يكشف الثقافة المهنية السائدة هناك في محيطه المكاني.. بل ربما إلى أبعد من ذلك أيضاً.