ذات يوم زارني صديق شاعر وجلسنا نتحاور حول أهمية دور المثقف في الواقع الراهن. فقال لي، وكان صوته يشبه الصرخة في أعماق الجرح: أنتِ واهمة يا صديقتي فلم يعد ثمة دور للمثقف في هذا العصر. صمتُ. وكنت لأتساءل عما يعني بالدور، وهل أن هذا الحكم صادر عن خيبة فرشت ظلها على أرواح المثقفين أم أنه صادر عن حقائق موضوعية لا أعرفها شخصياً. ولم يتركني لتساؤلي الخفي، إذ استطرد بنبرة مشوبة بالغضب والسخرية: سنوات طويلة لُقِّنا أن للمثقف دوراً وللثقافة رسالة اجتماعية، وكنا نردد بوعي زائف: وظيفة الشعر، وظيفة الأدب، وظيفة المسرح، وها نحن اليوم نكتشف خواء ذلك الوهم الذي ارتهنا له. ثم صمت، وفجأة هتف كمن يكتشف حقيقة جديدة: إن جريرة ذلك الوهم تكمن فيما خلفه في المثقف نفسه من إحساس مبالغ فيه بأهمية دوره، وإنه معني بتطوير المجتمعات، وهو الأعزل الحالم المجرد من أسلحة العصر، وتلك المبالغة جعلت منه إنساناً أحادي الرؤية والفعل. واستطرد بمرارة: والآن ها أنتِ ترين كم هو مهمش ومعوز ومضنى بلقمة العيش هذا المثقف قلت: أعذرني، لكن هذا الكلام ليس صحيحاً، فثمة كتاب وأدباء يعيشون بارتياح وبذخ، وقد استحقوا ذلك لما أبدعوه. قاطعني فوراً: بلى لكنهم بضعة رموز كبيرة حظيت لاعتبارات عديدة، من بينها اعتبار الزمان والمكان والتاريخ وقوة الإبداع والرؤية الاجتماعية للمثقف، ثم ألا ترين أن ما من مجتمع بشري عبر كل العصور والتحولات التي مر بها خلا من المثقف والمبدع؟ وما من مثقف حقيقي في مجتمع لم يتطور سلم من التهميش، والسبب يكمُن في وهم المثقف، والواقع أن ذلك الإحساس ليس وهماً بل حلم عظيم قاد البشرية وعلمها قيم الخير والنبل والكرامة والعدل. صمتُ لحظة واستطردت بنبرة الواثق: إن الإبداع والثقافة منتجان عاليا القيمة يا صاحبي، لأن المثقف المبدع سيظل يبدع، والمفكر يضنيه البحث، والروائي يشهد على عصره، والشاعر يغني أحلام الإنسان وطموحاته، فيما هو مشغول مثله بالبحث عن أسباب عيشه وعندما لن تستطيع الكتابة أن تمنحنا خبزاً، سنظل نكتب يا صاحبي لأن الكتابة هي ذواتنا الحقيقية، وهي فلسفة وجودنا وحلمنا ورؤانا، وإذا كانت لقمة العيش مضنية، فإن الكتابة أشد ضنى لأنها ألق الروح الإنساني وخلوده، لذا حتى لو كنت بين جبلين وفي أشد المنافي وحشة ستظل تكتب أشعارك لتجعل من الوحشة أُنساً، ومن العزلة رفقة، ومن المنفى وطناً!