بعد ظهر أمس كنتُ متجهاً إلى مقر المؤثّرين في أبراج الإمارات بدبي لحضور إحاطة إعلامية حول تنظيم وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي، لكن قبل أن أصل إلى قاعة المؤتمر استوقفني ركن صغير يحمل منتجات تحمل علامة «ميرا». دقائق قليلة كانت كافية لأن تغير وجهة اهتمامي، وأن تجعلني أؤمن مرة أخرى بأن بعض القصص لا تبحث عنها، بل هي التي تعثر عليك.
تقدمتُ نحو الركن، فإذا بسجاد يدوي، وفواكه مجفّفة، ومكسرات، وزعفران، وهدايا بسيطة في شكلها، لكنها عظيمة في معناها. كل قطعة هناك تحمل حكاية امرأة أفغانية وجدت نافذة جديدة للحياة بعد سنوات من الفقد والحروب. لم يكن ما رأيته معرضاً للمنتجات بقدر ما كان معرضاً للكرامة الإنسانية.
لا أحد يدرك حجم المعاناة الإنسانية في ذلك البلد القريب والصديق إلا من زاره، وقد تشرفت بمرافقة إحدى القوافل الإغاثية الإماراتية لعدد من المدن الأفغانية، حيث يعجز التعبير عن وصف ما يشاهد من صور الفاقة والحاجة.
الإمارات تميّزت دائماً بأن مساعداتها لا تتوقف عند حدود الإغاثة العاجلة، بل تتجاوزها إلى بناء الإنسان وتمكينه. وهذا ما يجسّده مشروع سمو الشيخة فاطمة بنت محمد بن زايد، الذي اختار أن يستثمر في الإنسان قبل أي شيء آخر، وأن يحوّل الأرامل والأُسر الفقيرة من متلقّين للمساعدة إلى منتجين قادرين على صناعة مستقبلهم بأيديهم.
ما لفت انتباهي أن المشروع لا يقيس نجاحه بعدد السلال الغذائية أو حجم المساعدات، وإنما بعدد النساء اللاتي أصبحن يمتلكن دخلاً مستقلاً، وعدد الأطفال الذين عادوا إلى مقاعد الدراسة، وعدد المزارعين الذين عادت أرضهم إلى الإنتاج، وعدد الأُسر التي استعادت ثقتها بالحياة. هنا يكمن الفرق بين العمل الخيري التقليدي والتنمية المستدامة.
قد يشتري أحدهم سجادة لأنها جميلة، أو عبوة زعفران لأنها عالية الجودة، لكنه في الحقيقة يشتري قصة نجاح، ويدعم مشروعاً إنسانياً يؤمن بأن أفضل المساعدات هي تلك التي تمنح الإنسان فرصة ألا يحتاج إلى المساعدة مستقبلاً.
وبينما أغادر المكان، بقيت فكرة ترافقني: أن هناك فرقاً كبيراً بين أن تمدَّ يدك لإنقاذ إنسان ليوم واحد، وبين أن تفتح له باباً يستطيع من خلاله أن يبني حياته كلها. هذا هو الفارق الذي تصنعه الإمارات في كثير من مبادراتها الإنسانية، ولذلك لم يَعُد مستغرباً أن تتحول أعمالها إلى نماذج عالمية في الدبلوماسية الإنسانية والتنمية المستدامة.
بعض الأبواب تُفتح بالمفاتيح… أما أبواب الأمل، فتفتحها الإرادة، وتبقيها الإنسانية الإماراتية مشرعة أمام كل من أنهكته الظروف. حفظ الله الإمارات وأدام عزّها في ظل بوخالد.


