ثمة أناسٌ يسكنون التراث، وآخرون يسكنهم التراث. والفارق كبير. فالأول يكتفي باستحضار الماضي، أما الثاني فيحمل الماضي معه إلى المستقبل، ويؤمن بأن الهوية ليست ذكرى تُروى، وإنما مسؤولية تُصان، ورسالة تتجدد مع الزمن.
هذا المعنى كان حاضراً بوضوح في الدورة الثالثة من مؤتمر التراث الذي نظمه معهد الشارقة للتراث، الثلاثاء الماضي ويختتم اليوم، وكان تحت شعار «التقاليد الشفاهية في عالم متغير: من الأداء الحي إلى الوسائط الرقمية». المؤتمر لم يكن مجرد لقاء أكاديمي أو مناسبة ثقافية عابرة، بل تأكيداً على مكانة التراث في المشروع الحضاري للإمارات، وعن إيمان راسخ بأن الأمم التي تحفظ ذاكرتها تكون الأقدر على صناعة مستقبلها.
وقد تشرفت بحضور جانب من فعاليات المؤتمر، ولاحظت أن القاسم المشترك بين الباحثين والخبراء المشاركين لم يكن الحديث عن الماضي بقدر ما كان التفكير في الغد. فالنقاشات انصبت على كيفية توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في خدمة التراث، وتحويل التقاليد الشفاهية من ذاكرة مهددة بالنسيان إلى محتوى حي قادر على الوصول إلى الأجيال الجديدة بلغتها وأدواتها.
وهذه هي المعادلة التي نجحت الشارقة في ترسيخها على مدى عقود، فلا انحياز للماضي على حساب المستقبل، ولا اندفاع نحو المستقبل على حساب الجذور. رؤية حضارية يقودها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، الذي جعل من الثقافة مشروعاً للتنمية، ومن التراث ركيزة للهوية، ومن الإمارة منارة للعلم والكتاب والفكر العربي.
ولعل أجمل ما في المؤتمر أنه كشف عن جيل من الباحثين يمكن وصفهم بحق بأنهم «عشاق التراث». لا ينظرون إليه باعتباره مقتنيات قديمة أو حكايات للتسلية، بل باعتباره ذاكرة الأمة، ومستودع قيمها، وخلاصة تجاربها الإنسانية. ولذلك جاءت الأوراق العلمية والإصدارات الجديدة والمنصات الرقمية، لتؤكد أن حماية التراث لم تعُد تقتصر على الحفظ والتوثيق، بل أصبحت مشروعاً معرفياً يستخدم أحدث أدوات العصر.
هذا المشهد لا يبدو في الإمارات استثناءً، بل امتداداً لنهج أصيل أرساه الوالد المؤسّس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، حين أكد أن «من لا ماضيَّ له لا حاضر له ولا مستقبل». واليوم، بينما تواصل الدولة ريادتها في الذكاء الاصطناعي والاقتصاد المعرفي واستشراف المستقبل، فإنها تثبت في الوقت نفسه أن الطريق إلى الغد يبدأ دائماً من الوفاء للجذور. وهذه، في تقديري، هي أجمل حكاية ترويها الإمارات للعالم.
وأخيراً خالص الشكر والتقدير لمعهد الشارقة للتراث على هذا الجهد التنظيمي المشرف وبالتوفيق للجميع.


