ما إن تضيء الإشارة المرورية الخضراء حتى تنطلق بعض المركبات كأنها كانت تنتظر صافرة سباق. تتعالى أصوات أبواقها، ويتسابق السائقون لاقتناص أمتار قليلة، وكأن الطريق سيغلق بعد لحظات. وفي نهاية الرحلة، يلتقون جميعاً عند الإشارة التالية.
الاستعجال لدى البعض لم يعد مجرد سلوك عابر، وإنما تحوّل إلى أسلوب حياة. يستعجل الواحد منهم الصباح قبل أن يكتمل، والعمل قبل أن ينضج، والنتائج قبل أن تُبذل أسبابها. وكأن الزمن خَصْم ينبغي أن نهزمه، لا نعمة ينبغي أن نحسن استثمارها. وفي خضم هذا الإيقاع المتسارع، فقد كثيرون فضيلة التأني، واستبدلوها برغبة جامحة في الوصول أولاً، ولو كان الثمن باهظاً.
يتجلى هذا المشهد بوضوح على الطرقات. فما إن يجلس بعضنا خلف المقود حتى تتغير طباعه، يضيق صدره بأي مركبة تسير أمامه، ويُعدّ الالتزام بالمسار عائقاً، والإشارة الحمراء إضاعة للوقت، وحدود السرعة مجرد أرقام. يبدأ في التنقل بين المسارات، ويلتصق بالمركبات، ويتجاوز من اليمين واليسار، وكأنه يخوض سباقاً لا رحلة اعتيادية.
المفارقة المؤلمة أن هذا الاستعجال لا يختصر من زمن الرحلة إلا دقائق معدودة، بينما قد يختصر من العمر سنوات، أو ينهي حياة إنسان في لحظة. فما أكثر الحوادث التي كان سببها قرار متسرع، أو سرعة غير مبررة، أو محاولة تجاوز لم يكن لها أي داعٍ. وبعد كل حادث تتكرر الأسئلة نفسها، لكن الإجابة غالباً ما تكون واحدة: لم يكن الأمر يستحق.
الطريق ليس ملكاً لفرد، بل مساحة نتقاسمها جميعاً، ومسؤولية أخلاقية قبل أن تكون التزاماً قانونياً. وحين يستهين سائق بسلامة الآخرين، فإنه لا يغامر بحياته وحدها، بل يضع أُسراً بأكملها أمام احتمال الفقد، ويترك أطفالاً ينتظرون مَن لن يعود، وآباءً وأمهات يتلقون خبراً يقلب حياتهم في ثوانٍ.
احترام الطريق احترام للحياة. والقيادة الهادئة ليست دليلاً على البطء أو ضعف المهارة، ولكنها علامة على النضج، والثقة، وإدراك أن الوصول الآمن هو الإنجاز الحقيقي. فالسائق الواعي لا يقيس نجاح رحلته بعدد السيارات التي تجاوزها، ولكن بعدد الأرواح التي لم تتعرض للخطر بسببه.
ربما نحن بحاجة إلى مراجعة ثقافة الاستعجال التي تسللت إلى تفاصيل حياة بعضنا، ونغرس في الأجيال الجديدة قيمة الصبر قبل مهارة القيادة، لأن الأولى تحمي الثانية. فليست البطولة أن تصل قبل الآخرين، وإنما أن تصل، ويصل الجميع، بسلام. في نهاية المطاف، لن تغيّر دقيقة نوفّرها مجرى حياتنا، لكن دقيقة من التروّي قد تنقذ حياة إنسان.. وربما تكون حياتنا نحن. حفظكم الله وكل غالٍ عليكم، وسلامتكم.


